الثاني : الحكم العقلي ، ومن الطبيعي أن العقل إنما يحكم فيما إذا كان القيد
خارجا عن الاختيار ، حيث إن عدم أخذه مفروض الوجود يستلزم التكليف
بالمحال كما في مثل قوله تعالى : * ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق
الليل ) * ( 1 ) ، فإن دخول الوقت حيث إنه خارج عن قدرة المكلف واختياره لا
مناص من أخذه مفروض الوجود في مقام الإنشاء والخطاب ، وإلا لزم التكليف
بغير المقدور ، وهو مستحيل .
فالنتيجة : أن أخذ القيد مفروض الوجود في مرحلة الجعل والإنشاء إنما يقوم
على أساس أحد هذين الأمرين ، فلا ثالث لهما . وأما في غير هذين الموردين فلا
موجب لأخذه مفروض الوجود أصلا ، ولا دليل على أن التكليف لا يكون فعليا
إلا بعد فرض وجوده في الخارج .
ومن هنا قد التزمنا بفعلية الخطابات التحريمية قبل وجودات موضوعاتها
بتمام القيود والشرائط فيما إذا كان المكلف قادرا على إيجادها ، مثلا : التحريم
الوارد على شرب الخمر فعلي وإن لم يوجد الخمر في الخارج إذا كان المكلف
قادرا على إيجاده بإيجاد مقدماته ، فلا تتوقف فعليته على وجود موضوعه .
والسر في ذلك : ما عرفت ( 2 ) من أن الموجب لأخذ القيد مفروض الوجود : إما
الظهور العرفي ، أو الحكم العقلي ، وكلاهما منتف في أمثال المقام .
أما الأول : فلأن العرف لا يفهم من مثل " لا تشرب الخمر " أن الخمر اخذ
مفروض الوجود في الخطاب بحيث تتوقف فعلية حرمة شربه على وجوده في
الخارج ، فلا حرمة قبل وجوده ، بل المتفاهم العرفي من أمثال هذه القضايا هو
فعلية حرمة الشرب مطلقا وإن لم يكن الخمر موجودا إذا كان المكلف قادرا على
إيجاده بما له من المقدمات ، وهذا بخلاف المتفاهم العرفي من مثل قوله تعالى :
* ( أوفوا بالعقود ) * كما عرفت ( 3 ) .
هامش
( 1 ) الإسراء : 78 .
( 2 ) تقدم آنفا فلاحظ .
( 3 ) تقدم آنفا فلاحظ .