بل هو إن شاء اللّه تعالى ، وأمضى ما فعله عمر ( 1 ) .
فاستقرّ الأمر لدى الخليفتين ومن يرى رأيهما على منع المؤلّفة قلوبهم من سهمهم هذا ، وصرفه إلى من عداهم من الأصناف المذكورين في الآية .
ولبعض فضلاء الاصوليّين هنا كلام يجدر بنا نقله وتمحيصه ؛ لما في ذلك من الفوائد .
شرح
( 1 ) تجد هذه القضيّة بألفاظها في كتاب الجوهرة النيّرة على مختصر القدوري في الفقه الحنفي ص 164 من جزئه الأوّل . وقد ذكرها غير واحد من أثباتهم في مناقب الخليفتين وخصائصهما « 1 » .
وكم لعمر من قضايا تشبه قضيّته هذه ، فمنها ما ذكره المؤرّخون إذ قالوا :
جاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر فقالا له : إنّ عندنا أرضا سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة ، فإن رأيت أن تقطعناها ؟ لعلّ اللّه ينفع بها بعد اليوم ، فقال أبو بكر لمن حوله : ما تقولون ؟ فقالوا : لا بأس ، فكتب لهم كتابا بها ، فانطلقا إلى عمر ليشهد لهم فيه ، فأخذه منهم ، ثمّ تفل فيه فمحاه ، فتذمّرا وقالا له مقالة سيّئة . ثمّ ذهبا إلى أبي بكر وهما يتذمّران ، فقالا : واللّه ، ما ندري أأنت الخليفة أم عمر ؟ ! فقال : بل هو .
وجاء عمر حتّى وقف على أبي بكر وهو مغضب فقال : أخبرني عن هذه الأرض التي أقطعتها هذين ، أهي لك خاصّة ، أم بين المسلمين ؟ فقال : بل بين المسلمين ، فقال : ما حملك على أن تخصّ بها هذين ؟ قال : استشرت الذين حولي ، فقال : أو كلّ المسلمين وسعتهم مشورة ورضى ؟ فقال أبو بكر : فقد كنت قلت لك : إنّك أقوى على هذا الأمر منّي ، لكنّك غلبتني .
نقل هذه القضيّة ابن أبي الحديد في الجزء الثاني عشر من شرح النهج في ص 108 من المجلّد الثالث ، والعسقلاني في ترجمة عيينة من إصابته « 2 » ، وغيرهما .
وليتهما يوم السقيفة وسعا كلّ المسلمين مشورة ، ويا حبّذا لو تأنّيا حتّى يفرغ بنو هاشم من أمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ؛ ليحضروا الشورى ، فإنّهم أولى الامّة بذلك .
هامش
( 1 ) - . الجوهرة النيّرة 128 : 1 ، باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز . وراجع أيضا : تاريخ الطبري 275 : 3 حوادث سنة 11 ؛ الدرّ المنثور 224 : 4 ، ذيل الآية 60 من التوبة 9 ؛ تفسير المنار 496 : 10 .
( 2 ) - . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 58 : 12 - 59 ؛ الإصابة 640 : 4 ، الرقم 6166 .