وأنت تعلم أنّ هذا محال مع وجود قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « لا تضلّوا » ؛ لأنّه نصّ بأنّ ذلك الكتاب سبب للأمن عليهم من الضلال ، فكيف يمكن أن يكون سببا للفتنة بقدح المنافقين ؟ !
وإذا كان خائفا من المنافقين أن يقدحوا في صحّة ذلك الكتاب ؛ فلماذا بذر لهم بذرة القدح ، حيث عارض ومانع وقال : هجر ؟ !
وأمّا قولهم في تفسير قوله : « حسبنا كتاب اللّه » : أنّه تعالى قال : «
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
» « 1 » ، وقال - عزّ من قائل - : «
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
» « 2 » فغير صحيح ؛ لأنّ الآيتين لا تفيدان الأمن من الضلال ، ولا تضمنان الهداية للناس ، فكيف يجوز ترك السعي في ذلك الكتاب اعتمادا عليهما ؟ ولو كان وجود القرآن العزيز موجبا للأمن من الضلال ، لما وقع في هذه الامّة من الضلال والتفرّق ما لا يرجى زو اله ( 1 ) .
شرح
( 1 ) وأنت تعلم أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل : إنّ مرادي أن أكتب الأحكام ، حتّى يقال في جوابه :
حسبنا في فهمها كتاب اللّه تعالى . ولو فرض أنّ مراده كان كتابة الأحكام ؛ فلعلّ النصّ عليها منه كان سببا للأمن من الضلال ، فلا وجه لترك السعي في ذلك النصّ اكتفاء بالقرآن .
بل لو لم يكن لذلك الكتاب إلّا الأمن من الضلال بمجرّده ، لما صحّ تركه والإعراض عنه ؛ اعتمادا على أنّ كتاب اللّه جامع لكلّ شيء .
وأنت تعلم اضطرار الامّة إلى السنّة المقدّسة ، وعدم استغنائها عنها بكتاب اللّه وإن كان جامعا مانعا ؛ لأنّ الاستنباط منه غير مقدور لكلّ أحد ، ولو كان الكتاب مغنيا عن بيان الرسول ، لما أمر اللّه تعالى ببيانه للناس ؛ إذ قال عزّ من قائل : «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» « 3 » .
هامش
( 1 ) - . الأنعام 38 : 6 .
( 2 ) - . المائدة 3 : 5 .
( 3 ) - . النحل 44 : 16 .