ما في قوة البشر أن يدركه من الاحكام والحكم فيطلع من كتاب الله على ملكوت السماوات والأرض
ويتحقق أن كلامه كما وصفه بقوله : ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ) جعلنا الله ممن تولى هدايته
حتى يبلغه هذه المنزلة ويخوله هذه المكرمة ، فلن يهديه البشر من لم يهده الله كما قال تعالى
لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء ) .
وذكرت أن أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن العلوم اللفظية . ومن العلوم اللفظية
تحقيق الألفاظ المفردة ، فتحصيل معاني مفردات ألفاظ القرآن في كونه من أوائل المعاون لمن
يريد أن يدرك معانيه ، كتحصيل اللبن في كونه من أول المعاون في بناء ما يريد أن يبنيه .
وليس ذلك نافعا في علم القرآن فقط بل هو نافع في كل علم من علوم الشرع ، فألفاظ القرآن
هي لب كلام العرب وزبدته ، وواسطته وكرائمه ، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم
وحكمهم ، وإليها مفزع حذاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم . وما عداها وعدا الألفاظ
المتفرعات عنها والمشتقات منها هو بالإضافة إليها كالقشور والنوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة ،
وكالحثالة والتبن بالإضافة إلى لبوب الحنطة . وقد استخرت الله تعالى في إملاء كتاب مستوفى
فيه مفردات ألفاظ القرآن على حروف التهجي ، فنقدم ما أوله الألف ثم الباء على ترتيب حروف المعجم
معتبرا فيه أوائل حروفه الأصلية دون الزوائد ، والإشارة فيه إلى المناسبات التي بين الألفاظ المستعارات
منها والمشتقات حسبما يحتمل التوسع في هذا الكتاب ، وأحيل بالقوانين الدالة على تحقيق مناسبات
الألفاظ على الرسالة التي عملتها مختصة بهذا الباب . ففي اعتماد ما حررته من هذا النحو استغناء
في بابه من المثبطات عن المسارعة في سبيل الخيرات ، وعن المسابقة إلى ما حثنا عليه بقوله تعالى :
( سابقوا إلي مغفرة من ربكم ) سهل الله علينا الطريق إليها . وأتبع هذا الكتاب إن شاء الله
تعالى ونسأ في الاجل ، بكتاب ينبئ عن تحقيق الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد وما بينها من
الفروق الغامضة ، فبذلك يعرف اختصاص كل خبر بلفظ من الألفاظ المترادفة دون غيره من
أخواته ، نحو ذكره القلب مرة والفؤاد مرة والصدر مرة . ونحو ذكره تعالى في عقب قصة :
( إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) وفى أخرى : ( لقوم يتفكرون ) وفى أخرى : ( لقوم
يعلمون ) وفى أخرى : ( لقوم يفقهون ) وفى أخرى : ( لأولي الابصار ) وفى أخرى : ( لذي حجر )
وفى أخرى : ( لأولي النهى ) ونحو ذلك مما يعده من لا يحق الحق ويبطل الباطل أنه باب واحد ،
فيقدر أنه إذا فسر الحمد لله بقوله الشكر لله ، ولا ريب فيه بلا شك فيه فقد فسر القرآن ووفاه
التبيان ، جعل الله لنا التوفيق رائدا والتقوى سائقا . ونفعنا بما أولانا وجعله لنا من معاون
تحصيل الزاد المأمور به في قوله تعالى : ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) .
المفردات في غريب القرآن — صفحة 6
مساهمون: الراغب الأصفهاني
ص٦