يروى لنا أنك قلت " شيبتني سورة هود وأخواتها
فما الذي شيبك منها ؟ فقال : قوله ( فاستقم
كما أمرت ) " وإذا كان الضلال ترك الطريق
المستقيم عمدا كان أو سهوا ، قليلا كان
أو كثيرا ، صح أن يستعمل لفظ الضلال ممن
يكون منه خطأ ما ولذلك نسب الضلال إلى
الأنبياء وإلى الكفار ، وإن كان بين الضلالين
بون بعيد ، ألا ترى أنه قال في النبي صلى الله
عليه وسلم ( ووجدك ضالا فهدى ) أي غير مهتد
لما سيق إليك من النبوة . وقال في يعقوب
( إنك لفي ضلالك القديم ) وقال أولاده :
( إن أبانا لفي ضلال مبين ) إشارة إلى شغفه
بيوسف وشوقه إليه وكذلك ( قد شغفها حبا
إنا لنراها في ضلال مبين ) وقال عن موسى
عليه السلام ( وأنا من الضالين ) تنبيه أن ذلك
منه سهو ، وقوله ( أن تضل إحداهما ) أي تنسى
وذلك من النسيان الموضوع عن الانسان .
والضلال من وجه آخر ضربان : ضلال
في العلوم النظرية كالضلال في معرفة الله
ووحدانيته ومعرفة النبوة ونحوهما المشار إليهما
بقوله ( من يكفر بالله وملائكته وكتبه
ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا )
وضلال في العلوم العملية كمعرفة الأحكام الشرعية
التي هي العبادات ، والضلال البعيد
إشارة إلى ما هو كفر كقوله على ما تقدم من
قوله ( ومن يكفر بالله ) وقوله ( إن الذين
كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا
بعيدا ) وكقوله ( أولئك في العذاب والضلال
البعيد ) أي في عقوبة الضلال البعيد ، وعلى
ذلك قوله ( إن أنتم إلا في ضلال كبير -
قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء
السبيل ) وقوله ( أئذا ضللنا في الأرض )
كناية عن الموت واستحالة البدن . وقوله
( ولا الضالين ) فقد قيل عنى بالضالين النصارى
وقوله ( في كتاب لا يضل ربى ولا ينسى )
أي لا يضل عن ربى ولا يضل ربى عنه أي
لا يغفله ، وقوله ( كيدهم في تضليل ) أي
في باطل وإضلال لأنفسهم . والاضلال ضربان ،
أحدهما : أن يكون سببه الضلال وذلك على
وجهين : إما بأن يضل عنك الشئ كقولك
أضللت البعير أي ضل عنى ، وإما أن تحكم
بضلاله ، والضلال في هذين سبب الاضلال .
والضرب الثاني : أن يكون الاضلال سببا
للضلال وهو أن يزين للانسان الباطل ليضل
كقوله : ( لهمت طائفة منهم أن يضلوك -
وما يضلون إلا أنفسهم ) أي يتحرون أفعالا
يقصدون بها أن تضل فلا يحصل من فعلهم ذلك إلا
ما فيه ضلال أنفسهم وقال عن الشيطان ( ولأضلنهم
ولأمنينهم ) وقال في الشيطان : ( ولقد أضل
منكم جبلا كثيرا - ويريد الشيطان أن
يضلهم ضلالا بعيدا - ولا تتبع الهوى
المفردات في غريب القرآن — صفحة 298
مساهمون: الراغب الأصفهاني
ص٢٩٨