إن رفع صرح هذا البناء الشامخ دون الاستعانة بدعائم مرئية يكشف عن
تناغم دقيق في عالم الخلقة ، ولولاه لتداعت أركان العالم وانهارت ، وهذا النظام
الرائع تقاسمته قوتا الجاذبية والطاردة ( النابذة ) ، وفي ظل التعادل القائم بينهما
انتظمت حركة النجوم والكواكب والمجرات في مساراتها .
فالجاذبية قانون عام جار على جميع الأجسام في هذا العالم ، وهي
تتناسب عكسيا مع الحد الفاصل بين الجسمين إذ تتعاظم كلما تضاءلت
المسافة ، وتتضاءل كلما ازدادت الفاصلة ، فلو دارت رحى النظام الكوني الدقيق
على قوة الجاذبية فقط لارتطمت الكواكب والنجوم بعضها مع بعض ولتداعى
النظام السائد ، ولكن في ظل قانون الطرد يحصل التعادل المطلوب ، وقوة الطرد
تلك تنشأ من الحركة الدورانية للأجسام .
ومهما يكن من أمر ففي ظل هاتين القوتين تبقى الملايين من المنظومات
الشمسية والمجرات معلقة في الفضاء دون عمد ، وتحول دون سقوطها وفنائها ،
وإلى هذه الحقيقة يشير القرآن الكريم ، ويقول : * ( الله الذي رفع السماوات بغير
عمد ترونها ) * . ( 1 )
وتتضح دلالة الآية من خلال ملاحظة أمرين :
الأول : إن قوله " ترونه " وصف ل " عمد " وهي جمع عمود .
الثاني : إن الضمير في " ترونها " يرجع إلى الأقرب الذي هو " عمد " لا إلى
السماوات التي هي أبعد ، ومعنى الآية أنه سبحانه رفع السماوات من دون أعمدة
مرئية ، وهو لا ينفي العمود بتاتا ، بل وإنما ينفي العمود المرئي ، ولازم ذلك
وجود العمد في رفع السماوات من دون أن يراها البشر ، وهذا هو المعنى الذي
اختاره ابن
هامش
( 1 ) الرعد : 3 -