تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إكمال النقصان من تفسير منتخب التبيان ( موسوعة إبن إدريس الحلي ) — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
وإنّما قالوه استعظاماً لفعلهم أي كيف يفسدون فيها ويسفكون الدماء ، وقد أنعمتَ عليهم واستخلفتهم فيها ، فقال : * ( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) * وقال قوم : إنّهم قالوا ذلك متعجبين من استخلافه لهم أي كيف يستخلفهم وقد علم أنّهم يفسدون فيها ويسفكون الدماء ؟ فقال : * ( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) * . والسفك : صب الدماء خاصة دون غيره من الماء ، وجميع المايعات ، والسفح مثله لأنّه مستعمل في جميع المايعات على وجه التضييع ، ولذلك قالوا في الزنا إنّه سفاح لتضييع مائه فيه . والملائكة المذكورون في الآية ، قال قوم : هم جميع الملائكة ، وقال آخرون - وهو المروي عن ابن عباس والضحاك - : إنّه خطاب لمن أسكنه من الملائكة الأرض بعد الجان ، وقبل خلق آدم ، وهم الذين أجلوا الجان عن الأرض ، وقال قتادة في قوله : * ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ) * وقد علمت الملائكة من علم الله أنّه لا شيء عند الله أكبر من سفك الدماء والإفساد في الأرض ، قال الله تعالى : * ( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) * من أنّه سيكون الخليفة رسل وأنبياء ، وقوم صالحون وساكنون الجنة . وأقوى هذه الوجوه قول من قال : إنّ الملائكة إنّما قالت : * ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ) * على وجه التعجب من هذا التدبير ، لا إنكاراً له ولكن على وجه التألّم والتوجّع والاغتمام والاستعلام لوجه التدبير فيه ، فقال : * ( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) * من وجه المصلحة في خلقهم ، وما يكون منهم من الخير والرشد والعلم ، وحسن التدبير والحفظ ، والطاعة ما لا تعلمون . فإن قيل : الملائكة بم عرفت ذلك ، إذ لم يمكنها أن تستدرك ذلك بالنظر والفكر ، قلنا : قد يجوز أن لا يكون خَطَرَ ببالها ذلك إلاّ عندما أعلمهم الله ،