ينتهي هذا المنظر البديع الذي لا تزيد مساحته على خمسة عشر كيلو متراً بحلقات جبال مترافدة تحسب تلالها المصطفة واحدة بعد واحدة كأسنان المشط .
وفي زاوية من هذا الخميل الرائع ترى منتزهاً معداً ، ورجلًا يعطي سيماه أنّه لا يزيد عمره على الأربعين سنة وحواليه عدة أطفال تشعر روابط التشابه بينهم وبينه أنّه أبوهم وهم أولاده موزعين جلوساً على ذلك المنتزه ، وأمامهم طبق تفاح يتفاوح طيباً وعطراً .
في هذه الحلقة التنزهية المتشكلة ، تجد بعضهم مشغولًا بأكل تفاحته التي بيده ، والآخر مشغولًا بشمها ، والثالث مع أنّ يده لا تعدم التفاحة التي أعطيها ، منطوياً تحت جناح أبيه كالزهرة في حضن الوردة المتفتحة ، يريد زائداً على قسمته ، والرابع مع أنّه كسائر إخوته لم يعدم نصيبه من التفاح ملقياً بنفسه على الطبق ، يريد أن يستأثر على جماعته الباقين .
هذا منظر يطفح بعينيك في أوّل نظرتك .
وتعاود نظراً آخر إلى هذا التمثال ، فترى صفحة بيضاء من الكارتون قد تنقّطت بنقط سوداء موزعة على سطحها المتسع ، قد تخالفت أشكالًا بالكبر والصغر ، والقرب والبعد عن آخر ، حسب تمركز النظر من حاشية الصفحة إلى آخر حدودها ، وهذا نظر ثانوي غير النظر الأوّلي .
الآن إذا سألك سائل : هل ما ذكرت وصفه من البحيرة والخمائل والأزهار بحدودها الكيلو مترية ، وذلك المنتزه الرائع الذي أعدّه الأب وأولاده لترويح أنفسهم في زاوية من ذلك الروض الوسيع ، هل له وجود واقعي في التمثال الذي حملته بيدك واستعرضته وهي في يمينك بحدثة بصرك ؟ - حتماً - تجيب : لا .
أصول الفلسفة — صفحة 132
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٣٢