الفلسفية قد كشفت الستار في أدوارها الأخيرة عن هذه المباحث بوضوح بحيث صار حجج القوم وبراهينهم أو ما لفّقوه وجاءوا به بصورة برهان كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً ، غير أنّ اعترافهم ببعض الواقعيّات يصدّنا ويصدّ كل باحث منصف عن عدّهم من أصحاب السفسطة وزمرة المثاليّين .
وبذلك تبيّن الحال في العرفاء الربّانيين ، الذين جعلوا طريق الوصول إلى المعارف ، المجاهدات الحقّة النفسانية ، والرياضات البدنية ، كما يتّضح الحال في المتمسّكين بالشرائع وأتباع الأديان حيث قصروا العلم الصحيح في المعارف بالمأخوذ من طريق الوحي السماوي النازل على قلوب الرسل والأنبياء .
والعارف والمتشرّع مع اختلافهما في طريق الوصول إلى الحقائق يجمعهما الاعتراف بواقعية أو واقعيّات ، وراء النفس وتفكيرها ، ووراء الذات ورأيه ، يكابد كل واحد في طريقه لأن يصل إلى مرماه ، فهذا يجاهد بنفسه ويكابد ، ويرتاض بقواه الجسمانية وذاك يتمسّك بأذيال الوحي ، والسماع من صادق مصدق ، وعلى أيتقدير فالقوم على اختلاف نهجهم ومشاربهم ، من المؤمنين بالحقائق الخارجة عن الفكرة وصاحبها .
وما حرّرناه يوضح حال جماعة أُخرى من الهرامسة « 1 » ومن جاء بعدهم
هامش
( 1 ) . للهرامسة ذكر في غضون التاريخ ، كانوا من حملة العلوم والمعارف قبل الأغارقة بكثير ، لهم آراء وأفكار وتآليف وتصانيف حول الفلسفة الإلهية والنجوم ، يقف على نظرياتهم كل من تفحّص كتب الإغريق ، فانّهم تطفّلوا على علوم الهرامسة وأنظارهم .
نعم لم يحتفظ التاريخ ترجمة صحيحة عنهم ، لطول عهدهم وتباعد قرونهم ، قال القفطي : هرمس الهرامسة هو المعروف عند العبرانيين ب « خنوخ » وعند اليونانيين ب « ارميس » وعند العرب ب « إدريس » أعطاه اللَّه الملك والحكمة والنبوة عاش في بلاد الفراعنة قبل الطوفان .
حكى الاشكوري في « محبوب القلوب » عن ابن الجوزي : أنّ أوّل من نشر الحكمة والنجوم بين الناس بتعليم إلهي هو هرمس الهرامسة . وقال أبو معشر البلخي : إنّ الهرامسة عدّة من الحكماء العظام اشتهروا بالفضل والكمال وقد سكنوا الديار المصرية وبنوا الأهرام . . .
وإليك ترجمة من ذكر باسمه من غير الهرامسة في المتن على وجه الاختصار :
( بليناس ) : أحد الحكماء الأقدمين ، نسب إليه كتاب « علل بليناس » ، نقله إلى العربية « القسّيس ساخنوس » جاء في مقدمة الكتاب بقصة غريبة من أراد فليرجع إليه .
( فيثاغورس ) : أحد الفطاحل من الرياضيين ، عاش في القرن السادس قبل الميلاد ، وله آراء رمزية في باب الأعداد حيث قال بأصالة العدد في الوجود وكلّما يوجد في الكون فانّما هو من ناحيته ، إذا حصل منه تركيب عددي وقد طرحه الشيخ الرئيس في الشفاء وفنّده بأحسن بيان .
ومن نظرياته : انّ الأرض كروية متحركة ، وانّ الأرض وسائر السيارات التي منها الشمس تدور على مركز ناري غير مرئي .
هبط الرجل ردحاً من الزمن بلاد الشرق وتتلمذ على علمائها آخذاً منهم آراءهم الفلسفية والسياسية ، ثم غادرها وآب إلى موطنه ( إيطاليا ) وقد اتّخذ لنفسه خططاً سياسية وآراء اجتماعية وعقائد في حقيقة المذهب ولم يزل يترقّب الفرص إلى أن اجتمعت حوله فئة كثيرة من الرجال والنساء وأكبّوا على أفكاره السياسية والاجتماعية ، غير انّه لم يطل به الموقف إلى أن ثارت الثورة وقامت الفتن ، وقتل الأُستاذ خلال ذلك ، نعم ورثه الحكيم « أفلاطون » في عقائده وآرائه الاشتراكية وأخذ ينشره بين الملاء في بلاده .
( أفلاطون ) : أحد الأساتذة الفطاحل من الفلاسفة ، نشأ في اليونان وتربّى بها إلى أن قضى نحبه عام 346 قبل الميلاد وينتمي من جانب الأب إلى بعض الملوك والساسة ، وينتهي نسبه من ناحية أُمّه إلى الحكيم المقنن الطائر الصيت « صولون » قرأ الآليات والرياضيات وفصولًا من الفلسفة ، على فيلسوف عصره « سقراط » ولم يزل يخدمه ملحّاً على الدراسة والتعلّم منه إلى أن قضى نحبه .
ولافلاطون آراء وأنظار في الفلسفة الإلهية يتبيّن أكثره على ما ابتدعه من العقول العرضية والمثل النورية .
جال الحكيم أكثر البلاد الخصبة بالعلم يوم ذاك وهبط ردحاً من الزمان الديار المصرية ، و « قيروان » وألقى رحله في « إيطاليا » مدة لا يستهان بها حتى برع أقرانه ووقف بآراء أستاذه « فيثاغورس » طيلة إقامته فيها .
برع الرجل حق البراعة في فن الكتابة وأوضح بقلمه السيال آراءه في سياسة المدن وإدارة الاجتماع ، وندب الأُمّة وفي طليعتهم الحكماء والعلماء إلى تشكيل المدينة الفاضلة وتحمل في طريق أُمنيته هذه جهوداً جبّارة لا يتحمّلها إلّا أصحاب الأهداف العالية ، فترك الأوطان متوجهاً إلى جزيرة « سيسل » عسى أن يجد فيها من ينتدب له غير انّه لم يصب هدفه بل قهر واسترق إلى أن اشتراه بعض أصدقائه فأعتقه غير انّ تلك العراقيل لم يصرفه عمّا كان يرومه ، فغادر وطنه مرة ثانية لنشر عقائده وبث آرائه ولكن عرقلت خطاه عراقيل فلم يصل إلى ما يتمنّاه إلى أن قضى نحبه .
كان الرجل اشتراكياً بادئ الأمر ، وكانت أحب المسالك لديه في تدبير المجتمع البشري ، نعم عدل عنها وأبطلها بعد حين .
( افلوطين ) : أحد الأكابر من حكماء الأفلاطونية الجديدة ورئيسهم ، كان الرجل عارفاً مرتاضاً ولد عام 205 بعد الميلاد ، إلى أن أدركته المنية عام 270 ، لم يزل يضرب في البلاد ، من غربيها وشرقيها إلى أن هطب إيران والهند وتلّقى فيها الآراء العرفانية وله أثره الخالد « اثولوجيا » وإن كان ربّما ينسب إلى أرسطو .