سنة خمس وثلاثين ومائتين
فيها ألزم المتوكل جميع النصارى لبس الحلي فيميزوا به .
وفيها توفي إسحاق بن إبراهيم بن مالك التيمي الموصلي النديم . وكان رأساً في صناعة الطرب والموسيقى أديباً شاعراً أخبارياً عالماً ظريفاً نافق السوق عند الخلفاء إلى الغاية ، وأول من سمعه المهدي ، ولم يكن في زمانه مثله في الغناء واختراع الألحان ، وكان من العلماء باللغة والأشعار وأخبار العرب والشعراء وأيام الناس . ذو فضائل جمة ، وكان له يد طولى في الفقه والحديث وعلم الكلام .
قال محمد بن عطية الشاعر : كنت في مجلس القاضي يحيى بن كثم ، فوافى إسحاق بن إبراهيم الموصلي ، وأخذ يناظر أهل الكلام حتى اتصف منهم ، ثم تكلم في الفقه فأحسن ، وقاس واحتج ، وتكلم في الشعر واللغة ، ففاق من حضر ، ثم أقبل على القاضي يحيى بن كثم فقال له : أعز الله القاضي ، في شيء مما ناظرت فيه وحكيت نقص أو مطعن ؟ . قال : لا ، قال : فما بالي أقوم بسائر هذه العلوم قيام أهلها ، وأنسب إلى فن واحد قد اقتصر الناس عليه يعني الغناء ! قال ابن عطية المذكور : فالتفت إلي القاضي يحيى وقال : الجواب في هذا عليك ، وكان الراوي المذكور من أهل الجدل ، فقال للقاضي يحيى : نعم أعز الله القاضي ، الجواب علي . ثم أقبل على إسحاق وقال : يا أبا محمد ، أنت كالفراء والأخفش ؟ . فقال : لا ، فقال : أنت في اللغة ومعرفة الشعر كالأصمعي وأبي عبيدة ؟ . قال : لا ، قال : فأنت في علم الكلام كأبي يزيد العلاف والنظام البلخي ؟ قال : لا ، قال : أنت في الفقه كالقاضي ؟ وأشار إلى القاضي يحيى قال : لا ، قال فأنت في قول الشعر كأبي العتاهية وأبي نواس ؟ قال : لا ، قال : فمن ها هنا مشيت إلى ما مشيت إليه ، لأنه لا نظير لك فيه ، وأنت في غيره دون رؤساء أهله فضحك وقام وانصرف ، فقال القاضي لابن عطية : لقد وفيت الحجة حقها . وفيها ظلم قليل لإسحاق ، وإنه ممن يقل في الزمان نظيره .
وذكر أبو المجد الموصلي أن إسحاق بن إبراهيم المذكور كان مليح المحاورة والنادرة ، ظريفاً فاضلاً ، كتب الحديث عن سفيان بن عيينة ومالك بن أنس ، وهشيم بن بشير ، وأبي معاوية الضرير ، وأخذ الأدب عن الأصمعي وأبي عبيدة ، وبرع في علم الغناء ، فغلب عليه ونسب إليه ، وكان الخلفاء يكرمونه ويقربونه ، وكان المأمون يقول : لولا سبق لإسحاق على ألسنة الناس . واشتهر بالغناء لوليته القضاء ، فإنه أولى وأعف وأصدق وأكثر