الشيوخ والمسند .
وفيها توفي أبو الفوارس : شجاع بن جعفر الواعظ ببغداد وقد قارب المائة .
وفيها توفي الحافظ أبو علي محمد بن هارون بن شعيب الأنصاري الدمشقي .
سنة أربع وخمسين وثلاث مائة
فيها توفي المتنبي ، الشاعر العصر الملقب بأبي الطيب ، أحمد بن الحسين بن الحسن الجعفي نسباً الكوفي ، ثم الكندي منزلاً ، قدم الشام في صباه ، وجال في أقطاره ، واشتغل بفنون الأدب ، ومهر فيها ، وكان من المكثرين في نقل اللغة والمطلعين على غريبها ووحشيها ، فلا يسأل عن شيء إلا ويستشهد فيه بكلام العرب من النظم والنثر ، حتى قيل : إن الشيخ أبا علي الفارسي ، صاحب الإيضاح والتكملة قال له : كم لنا من الجموع على وزن فعلى بكسر الفاء وسكون العين وفتح اللام . - فقال المتنبي في الحال : " حجلى " و " ظربى " . قال أبو علي : فطالعت كتب اللغة ثلاث ليال على أن أجد لهذين الجمعين ثالثاً ، فلم أجد .
قلت : وناهيك به . معرفة ، في حق من يقول الإمام الجليل في العربية له هذه المقالة ، ويشهد له بهذه الشهادة السنية . قال بعضهم : " وحجلى " جمع حجلة ، وهو الطائر المسمى القبج : بفتح القاف وسكون الموحدة وبالجيم . " والظربى " : بكسر الظاء المعجمة وسكون الراء وبعدها موحدة : جمع ظربان ، على وزن قطران ، وهي دويبة منتنة الرائحة . وأما شعر المتنبي فكثرة شعره تغني عن مدحته .
قال ابن خلكان : والناس في شعره على طبقات : فمنهم من يرجحه على شعر أبي تمام ومن بعده ، ومنهم من يرجح أبا تمام عليه ، قال : واعتنى العلماء بديوانه فشرحوه ، وذكروا أن أحد مشايخه الذين أخذ عنهم قال : وقفت له على أكثر من أربعين شرحاً ، ما بين مطولات ومختصرات ، ولم أر هذا بديوان غيره . وقال : ولا شك أنه رزق من شعره السعادة التامة . انتهى .
قلت : ولأهل الفضل من المتقدمين والمتأخرين خلاف كثير في تفضيل جماعة من الشعراء ، بعضهم على بعض ، وقد أوضحت ذلك في آخر الجزء الثاني من كتابي " الموسوم بمنهل المفهوم في شرح ألسنة العلوم " .
وعن أبي عمرو بن العلاء أنه قال : اتفقوا على أن أشعر الشعراء امرؤ القيس والنابغة وزهير . قلت : يعني بذلك من الشعراء القدماء ، ومعلوم أن كثيراً من الشعراء البارعين حذقوا