لمولاها : بكم الجارية ؟ فقال : بمائة : ألف درهم ، فقال : ادفع المال إليه يا غلام ، فلما ولى قال : ردوا الجارية ، فردت ، فقال : يا جارية أبكر ، أنت أم ثيب ؟ فقالت : بل ثيب . فقال : ردوها على مولاها ثم أنشد .
قالوا عشقت صغيرةً فأجبتهم * أشهى المطي إلي ما لم تركب
كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة * لبست وحبة لؤلؤ لم تثقب
فقالت الجارية : يا أمير المؤمنين أتأذن لي في الجواب ؟ قال : نعم فأنشدت :
إن المطية لا يلد ركوبها * حتى تذلل بالزمان وتركبا
والحب ليس بنافع أربابه * حتى يفضل بالنظام ويثقبا
قال فضحك الرشيد ، وقال يا غلام ادفع ثمنها إلى مولاها ، وأمر لها بمائة ألف درهم في خاصة نفسها ، قلت : والبيتان اللذان أنشدهما الرشيد هما من شعر أبي نواس ، واللذان أنشدتهما الجارية هما من شعر مسلم بن الوليد الأنصاري . قلت ولي قصيدة في الحكم بين هذين المختلفين ، وفي تفضيل ألوان الغواني بعضها على بعض ، ووصف أعضائها ومحاسنها الحسناء ، وذكر غرور الدنيا منها هذه الأبيات :
يا مسرعاً نحو الحسان لتخطبا * تأن واختر مورداً مستعذبا
هذا الأجيرع والعوير مورد * ماء العذيب الخالي المستعذبا
ودع المويلج والأزيلم جانباً * يا من غدا بالغانيات معذبا
من بيض مجد عاليات الحسن أو * من خضر سعد إن نشا أن تخطبا
أو صفر وجد من هوى راقي العلى * حامي الذمار الماجد المستنجبا
عند الغواني والمعالي أيما * تشأ فاختر بعد وصفي مذهبا
سلطان ألوان الغواني أبيض * وله وزير أصفر قد قربا
والأخضر الميمون أضحى عنده * أيضاً أميراً بالسعادة مخضبا
لم يبق إلا جندي أو سائس * فاختر لما يهواه طبعك فاصحبا
كل امرء بالطبع يهوى مشرباً * يحلو ولو أضحى أجاجاً مشربا
لكن بيض الغانيات تفاوتت * ألوانها فاسمع مقالاً صوبا
أبهى أزهاها بياض مشرب * من صفرة يحكي لجيناً مذهبا
إن عذب ما للظما جاء مذهبا * فظمي الهوى تلقى له ذا مذهبا
ذاك الذي ما زلت أهوى والذي * أختار من بين المذاهب مذهبا
دري لون معجب في ناهج * في كفه العناب يزهو معجبا
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 348
مساهمون: خليل المنصور
ص٣٤٨