فإن قالوا : إن عليا قد كان يألف النبي صلى الله عليه وسلم ، فوافقه على طريق
المساعدة .
قلنا لهم : وإن كان يألفه ، فلم يكن إلفه [ به ] بأكثر من [ إلفه ] أبويه وإخوته
وعمومته وأهل بيته ( 1 ) ولم يكن الألف مما يخرجه عما نشأ عليه وغذي به ، ولم
يكن الإسلام مما غذي به ، وكثر على سمعه .
ووجه آخر : إن الإسلام لا يكون إلا بخلع الأنداد والأصنام ، وكل معبود من
هامش
( 1 ) هذا هو الصواب ، وفي الأصل : " أبوته . . . " وما بين المعقوفين زيادة توضيحية منا .
وقال المصنف في ذيل ما ذكرناه الآن عنه في نقض عثمانية الجاحظ :
ثم لينظر المنصف ، وليدع الهوى جانبا ، ليعلم نعمة الله على علي عليه السلام بالإسلام حيث أسلم على
الوضع الذي أسلم عليه ، فإنه لولا الألطاف التي خص بها والهداية التي منحها له ، لما كان إلا كبعض أقارب
محمد وأهله صلى الله عليه ، فقد كان ممازجا له كممازجته ، ومخالطا له كمخالطة كثير من أهله
ورهطه ، ولم يستجب أحد منهم له إلا بعد حين ، ومنهم من لم يستجب له أصلا . .
وساق الكلام في تسمية من استجاب النبي ومن لم يستجبه من عشيرته إلى أن قال :
فكيف ينسب إسلام علي عليه السلام إلى الألف والتربية والقرابة واللحمة ، والتلقين والحضانة ، والدار
الجامعة ، وطول العشرة ، والأنس والخلوة ، وقد كان كل ذلك حاصلا لهؤلاء ، أو لكثير منهم ، ولم يهتد
أحد منهم إذ ذاك ، بل كانوا بين من جحد وكفر ومات على كفره ، ومن أبطأ وتأخر وسبق بالإسلام ، وجاء
سكيتا وقد فاز بالمنزلة غيره .
وهل يدل تأمل حال علي عليه السلام مع الإنصاف إلا على أنه أسلم لأنه شاهد الأعلام ، ورأى المعجزات
وشم ريح النبوة ، ورأى نور الرسالة ، وثبت اليقين في قلبه بمعرفة وعلم ونظر صحيح ، لا بتقليد ولا حمية
ولا رغبة ولا رهبة ، إلا فيما يتعلق بأمور الآخرة .