الثّاني أخذ في موضوعه علم الفاعل بالحكم الأوّل ، ولا إشكال في ذلك [ 1 ] .
ما يستدلّ به على عدم الحقانية
وأمّا الأمر الثاني : وهو الكلام فيما يمكن الاستدلال به على عدم حقّانيّة ما يدركه الناس من الحسن والقبح فنذكر هنا براهين ثلاثة على ذلك :
البرهان الأوّل : برهان أشعريّ ، وهو مركَّب من صغرى وكبرى استفادوهما من العقل النظريّ . أمّا الصغرى : فهي مجبورية النّاس على أعمالهم ، وهذه ممنوعة عندنا . وأمّا الكبرى : فهي عدم اتصاف الفعل الخارج عن القدرة بالحسن والقبح ، وهذه صحيحة . ويستنتج من هاتين المقدّمتين عدم اتصاف أفعال الناس بالحسن والقبح . وهذا هو الوجه الوحيد الموجود في كلمات الأشعريّين الذي يمكن أن يجعل
شرح
[ 1 ] لا يخفى أنّ تعريف الحسن والقبح بالمدح والذم ، إن كان بمعنى التعريف المنطقي فهذا غير معقول ، فإنّهما مفهومان أوّليّان واضحان ، لا يعرّفان بشيء آخر . على أنّ صحّة المدح أو الذّم لا تعني إلَّا حسنهما أو عدم قبحهما ، فهذا تفسير للشيء بنفسه . ولكنّ الواقع أنّ المدح والذّم هما عين قولنا بأنّ هذا حسن وهذا قبيح . فقولنا ( هذا حسن ) هو مدح ، وقولنا ( هذا قبيح ) هو ذمّ . فصحّ أن يقال كإلفات للنظر - لا كتعريف - : إنّ الحسن والقبيح عبارة عمّا يستحق عليه المدح والذّم ، بمعنى أنّ الحكم بالحسن والقبح هو عين المدح والذّم . وأمّا لزوم أخذ العلم بالشيء في موضوع نفسه ، لأنّ صحّة المدح والذّم تتوقّف على علم الفاعل بالحسن والقبح ، فجوابه : أنّ المدح والذّم تارة يرجعان إلى صدور الفعل من الفاعل ، أو قل إلى ذات الفعل ، وأخرى يرجعان إلى السريرة ، وكون هذا الشخص في سريرته خبيثا أو طيّبا . فإن قصد أنّ رجوعهما إلى الفعل مشروط بالعلم ، فهو ممنوع . وإن قصد أنّ دلالة العمل على خبث السريرة وطيبها مشروطة بالعلم بحسن الفعل وقبحه ، فهذا صحيح ، ولا يلزم من ذلك أخذ العلم بالشيء في موضوع نفسه . هذا .
والظاهر أنّ المشهور عرّفوا الحسن والقبح بمدح الفاعل وذمّه ، وكأنّ أستاذنا الشهيد ( رحمه اللَّه ) كان بصدد ردّ ذلك ، وعليه فكلامه - رضوان اللَّه عليه - صحيح .