إذ يوجد أحد الضدين حينئذ بالسلطنة بلا حاجة إلى مرجّح [ 1 ] .
إذا عرفت هذا قلنا في المقام :
إنّ الضّرورة التكوينيّة - التي هي النسبة بين الفعل وفاعله ، من دون فرق بين الأفعال ، على مذهب الفلاسفة - تكون في عرض السلطنة - التي هي النسبة عندنا بين الفعل وفاعله المختار - بينما الحسن والقبح عبارة عن ضرورة خلقيّة ، وهي في طول السلطنة ، إذ لا تتصّف الأمور غير الاختياريّة بالحسن والقبح ، وتباين ماهيّة الضرورة التكوينيّة ، وإلَّا لكانت خلف فرض السلطنة المفروضة في الرتبة السابقة عليها .
فالضرورة الخلقيّة عبارة عن كون الأولى أن يقع هذا الفعل أو أن لا يقع ، والضرورة التكوينيّة عبارة عن أنّه لا يمكن أن لا يقع أو أن يقع . وليس المقصود بيان التعريف المنطقي ، فإنّ الأولويّة وكذا الضرورة التكوينيّة وما أشبه ذلك كالإمكان والامتناع والوجود والعدم ، مفاهيم واضحة ، ومن أوضح المفاهيم ، ولا يمكن توضيحها بمفاهيم أخرى . وإنّما المقصود إلفات النظر وتوجيهه نحو المعنى الخاص ، وهو - كما اتضح - الضرورة
شرح
[ 1 ] قد يقال : إنّ هذا ليس دليلا على وجود السلطنة خارجا ، إذ فرض وجود السلطنة خارجا لا يرفع الإشكال . ذلك لأنّه حتى لو كانت السلطنة موجودة خارجا ، بإمكاننا أن نقول : إنّ عدم المرجّح منضما إلى عدم السلطنة ولو محالا علة لارتفاع الضدّين الذين لا ثالث لهما ، بينما ارتفاعهما مستحيل بالذات ، وقد قلنا : إنّ المستحيل بالذات لا يكون معلولا ولو لأمر محال ، فقد عاد الإشكال .
والجواب على ذلك : إنّ السلطنة نسبتها إلى الوجود والعدم سيّان . فليست هي علَّة للوجود كي يدخل عدمها في علَّة العدم . فعلَّة عدم الضدّين إنّما هي عدم المرجّح في ظرف عدم السلطنة ، أي أنّ عدم السلطنة قيد للعليّة لا للعلَّة . فإن كان هذا القيد ثابتا ، إذن العلَّية ثابتة ، وبالتّالي قد ثبت الإشكال ، لأن عدم المرجّح أصبح علة لمستحيل بالذات وهو انتفاء ضدّين لا ثالث لهما ، وإن كان هذا القيد غير ثابت ، بأن كانت السلطنة موجودة خارجا ، إذن فالعلَّية غير ثابتة فيرتفع الإشكال من أساسه .