تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
ثمّ إنّه قد ظهر ممّا ذكرناه عدم صحّة إرجاع ما يترائى لدى النّاس من إدراك الحسن والقبح ، إلى باب الميل والغريزة ، وسلخهما عن باب الإدراك . فإنّه يلزم من ذلك عدم صحّة إسناد الحسن والقبح إلَّا بالنسبة لمن له هذا الميل الطبيعي والغريزة النفسانيّة ، وعدم تطبيق الحسن على أفعال اللَّه تعالى . فلا يصح أن يقال مثلا : إنّ العدل منه حسن والظلم منه قبيح [ 1 ] . وكذلك من عوّد نفسه على ارتكاب القبائح وترك المحسّنات ، إلى أن زال منه الميل الطبيعي إلى فعل الحسن وترك القبيح ، وماتت غريزته ، لزم أن لا يميّز بين الحسن والقبيح ، مع أنّه ليس كذلك [ 2 ] .
شرح
هل المقصود أنّ الحسن والقبح عبارة عن نفس الملائمة والمنافرة للقوّة العاقلة التي توجب الانبساط والانقباض ، أو المقصود أنّ الحسن والقبح أمران واقعيّان بغض النظر عن الملائمة والمنافرة ، مرتبطان بسعة الوجود وضيقه ( أو هما عين سعة الوجود والضيق في العمل الاختياريّ ) ، ومعنى إدراك العقل لهما انبساطه للحسن وانقباضه للقبيح على أساس الملائمة والمنافرة ؟ فإن فرض الأوّل ، ورد عليه ما في المتن من أنّ مجرد الملائمة والمنافرة ، أو تأثير المدرك في انبساط وانقباض العقل ، ليس مصحّحا للمدح والذم . . . إلى آخره . وإن فرض الثّاني ، فهذا في واقعة إنكار لادراك الحسن والقبح ، فإنّ الإدراك يعني الكشف ، لا حالة الانبساط والانقباض . إلَّا أن يفرض الانبساط والانقباض مجرد علامة وهذا خلاف ظاهر كلامه . [ 1 ] ان كان مقصود من يرجع الحسن والقبح إلى الغريزة هو غريزة الفاعل ورد عليه هذا النقض ، أما لو كان المقصود هو غريزة المدرك فهذا النقض غير وارد عليه . [ 2 ] معرفتنا بأنّه ليس الأمر كذلك إمّا أن تنشأ من علمنا المسبق بأنّ باب الحسن والقبح يختلف عن باب الغريزة ، وهذا لا يصلح بيانه كنقض ، أو من التجربة والاستقراء ، وهذا صعب . ولعلّ الأولى النقض بما هو سهل التجربة والاستقراء ، من أنّ كثيرا من النّاس الاعتياديّين يدركون أحيانا الحسن والقبح على خلاف ما هي نتيجة تزاحم غرائزهم ، فمن يدافع مثلا عن ابنه لغلبة غريزة حبّ الابن على غريزة حب العدل عنده ، يحكم مع ذلك بأنّه قد خان في سبيل حبّه لابنه .