تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
بملاك غرض المولى وحاجة يحتاجها بنحو يقبل انكشاف الخلاف نظير ما بين الناس من الحقوق ، بل إنّما هو بملاك احترام المولى وإجلاله وعدم التوهين بشأنه ، والمعصية والتجري متساويان في مرتبة مخالفة الاحترام . وعليه فمصبّ حق الطاعة إنما هو الحكم الواصل بمرتبة منجّزة سواء كان ثابتا في الواقع أولا ، فالتجري قبيح كالمعصية . [ 1 ]
شرح
[ 1 ] أقول لا إشكال في أنّ أمر المولى ينشأ من غرض ما . وعندئذ لا يبعد القول بأنّ العقل يحكم بأن للمولى حق تحقيق غرضه كما أنّ له حق الاحترام . وفي مورد المعصية قد خولف كلا الحقين ، وفي مورد التجري خولف حق واحد وهو حق الاحترام . وبكلمة أخرى أن العنصر الثاني وهو مجرد الوصول ولو خطأ مصبّ لحق الطاعة بملاك الاحترام ، والعنصر الأول وهو عنصر الحكم الإلزامي بشرط مستوى من مستويات الوصول مصبّ لحق الطاعة بملاك تحصيل غرض المولى وبتعبير آخر أنّ الاحتمال الثاني والثالث كل منهما مستقلا وبعنوانه صحيح . وما يلزم من ذلك من أشدّية العاصي من المتجري في استحقاق العقاب لا نتحاشى عنه ولا نراه خلاف الوجدان . وإنّما الذي يكون خلاف الوجدان هو أشدّية وضع العاصي من المتجرّي أمام محكمة الوجدان وذمّ العقل ، ونحن لا نقول بأنّ ذمّ المولى عقابه كي يسري حكم الوجدان بعدم كون العاصي أشدّ حالا من المتجرّي في ذلك إلى مسألة العقاب . ولا يلزم ممّا ذكرناه من فرض حقّين للمولى - حقّ الاحترام وحقّ تحصيل الطاعة بملاك تحصيل الغرض - أن يكون العاصي أشدّ حالا أمام ذمّ العقل ولوم الوجدان كي يقال : أنّ هذا خلاف الوجدان . وتوضيح ذلك أنّ لوم الوجدان أو قل ذمّ العقل لا يتبع الحق الواقعي لشخص ما ، بل هو تابع لوصول الحق ولو خطأ . فمن قتل شخصا باعتقاده فلانا من الناس الذي لا يجوز قتله ثم تبين له أنّ قتله كان حقا له لأنّ المقتول كان قاتلا لأبيه فكان من حقه القصاص ، فهذا الإنسان رغم أنّه لم يخالف حقا واقعيا للمقتول يكون ملوما لدى الوجدان حتى بعد انكشاف الواقع لأنّه حينما قتله كان يعتقد ولو خطاء أنّه ليس من حقّه قتله ، هذا ما ندّعيه بالوجدان وليس بالإمكان إقامة برهان على ذلك . وبناء عليه يكون المتجرّي والعاصي متساويين أمام محكمة الوجدان رغم أنّ العاصي خالف حقّين للمولى ، والمتجرّي خالف حقا واحدا له . وذلك لأنّ المتجرّي حين التجرّي