نبحث هنا - بالنسبة للعلم المنجّز للخطاب - عن انه هل يجوز للعبد تفويت العلم بالأحكام الإلزامية للمولى ، بجعل نفسه قطاعا بالخلاف ، أو عدم علاجه لهذا المرض مع الإمكان ، كي يستريح من تنجّز ذلك الحكم عليه ، أو لا ؟ وهذا لم يحرر حتى الآن في علم الأصول .
وتحقيق الكلام في ذلك ان هذا مربوط بمدى سعة دائرة مولوية المولى وضيقه ، الذي لا يمكن إدراكه الا بالوجدان والعقل العملي ، فإن قلنا : ان حق المولى انما هو إطاعة الاحكام الواصلة مثلا ، وليس من حقوقه عدم إخراج العبد نفسه عن دائرة التنجيز بالشكل الذي يؤدي إلى تفويت أغراضه اللزومية ، إذن فلا يجب عليه التحرز عن قطوع من هذا القبيل . وان قلنا : ان دائرة حق المولى قد اتسعت لتحرّز من هذا القبيل - كما هو الصحيح - اذن وجب عليه ذلك ، ولو خالف استحق العقاب لا على مخالفة الواقع ، إذا الواقع المقطوع بخلافه خارج عن دائرة حق الامتثال ، بل على تعريض نفسه لمثل هذه القطوع ، أو تركه للعلاج ، إذ أصبح هذا بنفسه مخالفة لحق المولى [ 1 ] .
شرح
[ 1 ] الظاهر أن مخالفة ذلك لحق المولى هي سنخ التجري ، وقد خالف حق المولوية في أصل مخالفته للحكم الواقعي ، وهذا سنخ المعصية ولا يقال : ان هذا الحكم لم يكن منجزا عليه ، لأنه كان قاطعا بالخلاف ، فإنه يقال : ان هذا الحكم قد تنجز بعلمه الإجمالي بأن كثيرا من قطوعه خلاف الواقع ، وتنجّز ذلك لا ينافي تنجّز العمل بالقطع عليه ، فإن التنجّز الثاني الذي هو سنخ تنجّز حرمة التجري ليس تنجّزا لخصوص العمل بالقطع ، بل هو تنجّز لجامع ترك مخالفة القطع الذي يمكن ان يتجسّد بفراره عن ذاك القطع . فالأمر ان المتنجزان عليه كان الجمع بينهما ممكنا بشأنه ، وانما فوّت على نفسه القدرة على الجمع بسوء الاختيار ، والامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار .
هذا وقد مضى منه ( رحمه اللَّه ) في فرض الردع عن خوض الأدلة العقليّة ، انه لو خاض وتورط في مخالفة الواقع عوقب على مخالفة الواقع ، ولا أعرف لما ذا اختلف الموقف في ذاك البحث منه في هذا البحث ؟ .