لقد هزلت حتّى بدا من هزالها
كلاها وحتّى استامها كلّ مفلس « 1 »
وأيضا فإنّ من ألمّ بتاريخ قريش والعرب في صدر الإسلام يعلم أنّهم لم يخضعوا للنبوّة الهاشميّة ، إلّا بعد أن تهشّموا ولم يبق فيهم من قوّة ، فكيف يرضون باجتماع النبوّة والخلافة في بني هاشم ، وقد قال عمر بن الخطّاب لابن عبّاس في كلام دار بينهما : إنّ قريشا كرهت أن تجتمع فيكم النبوّة والخلافة ، فتجحفون على الناس ( 1 ) .
2 - والسلف الصالح لم يتسنّ له أن يقهرهم يومئذ على التعبّد بالنصّ فرقا من انقلابهم إذا قاومهم ، وخشية من سوء عواقب الاختلاف في تلك الحال ، وقد ظهر النفاق بموت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ، وقويت شوكة المنافقين ، وعتت نفوس الكافرين ، وتضعضعت أركانالدين ، وانخلعت قلوب المسلمين ، وأصبحوا بعده كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية ، بين ذئاب عادية ، ووحوش ضارية ، وارتدّت طوائف من العرب ، وهمّت بالردّة أخرى ، كما فصّلناه في المراجعة 82 .
فأشفق عليّ في تلك الظروف أن يظهر إرادة القيام بأمر الناس مخافة البائقة وفساد العاجلة والقلوب على ما وصفنا ، والمنافقون - على ما ذكرنا - يعضّون عليهم الأنامل من الغيظ ، وأهل الردّة على ما بيّنّا ، والأمم الكافرة على ما قدّمنا ، والأنصار قد خالفوا المهاجرين ، وانحازوا عنهم ، يقولون : « منّا أمير ومنكم أمير » « 2 » .
فدعاه النظر للدين إلى الكفّ عن طلب الخلافة ، والتجافي عن الأمور ، علما منه أنّ
شرح
( 1 ) نقله ابن أبي الحديد في 107 من المجلّد الثالث من شرح النهج في قضيّة يجدر بالباحثين أن يقفوا عليها . وقد أوردها ابن الأثير في أواخر أحوال عمر ص 24 من الجزء الثالث من كامله قبل ذكر قصّة الشورى « 3 » .
هامش
( 1 ) - . نسبه ابن كثير إلى عليّ بن أحمد في البداية والنهاية 88 : 12 ، حوادث سنة 448 .
( 2 ) - . للمزيد راجع مسند أحمد 124 : 1 ، ح 391 .
( 3 ) - . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 189 : 1 ، و 112 : 11 ، و 9 : 12 و 53 ؛ الكامل لابن الأثير 63 : 3 ، حوادث سنة 23 .