وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة . فمتى اجتمعت هذه الأربع فقد كملت شروط التوبة . وتاب إلى اللَّه تذكر ما يقتضي الإنابة .
نحو : فتوبوا إلى اللَّه جميعا - أفلا يتوبون إلى اللَّه - وتاب اللَّه عليه .
أي قبل توبته عنه . لقد تاب اللَّه على النبي والمهاجرين - ثم تاب عليهم ليتوبوا - فتاب عليكم وعفا عنكم .
والتائب : يقال لباذل التوبة ولقابل التوبة . فالعبد تائب إلى اللَّه . واللَّه تائب على عبده . والتوّاب العبد الكثير التوبة . وقد يقال اللَّه ذلك لكثرة قبوله توبة العباد حالا بعد حال . إنه هو التواب الرحيم .
أقول : إننا هنا ينبغي أن نفهم معنى واحدا للتوبة ، تنطبق على العبد وربه معا ، بحيث يكون صدقه على الجانبين حقيقيا من المشترك المعنوي ، ولو اقتصرنا على ما قاله الراغب لكانت التوبة في اللَّه سبحانه مجازا .
لوضوح اختلاف استعمال حرف الجر فيها . فإن العبد يتوب إلى اللَّه واللَّه سبحانه يتوب على عبده . والعود خاص بالعبد الذي اختص بالذنب . فما هو الوجه في نسبة التوبة إلى اللَّه سبحانه .
وجواب ذلك ، حسب فهمي : أن الذنب حين يصدر من العبد عصيان للَّه سبحانه . فإنه يترتب على ذلك بعدان لا بعدا واحدا .
أولا : بعد العبد عن ربه من ناحية أخلاقية ومعنوية .
ثانيا : بعد الرب عن عبده ، نتيجة لسخطه عليه من ذنبه . والرضا نافي لكلا البعدين ، فكما أن العبد يقترب من ربه بعد أن يكون بعيدا ، فيصدق عليه أنه تاب ، كذلك يقترب الرب من عبده ، فيصدق عليه أنه تاب .
وكلاهما شكل من أشكال الأصل في الخلقة تقارب العبد مع الرب تقاربا معنويا . فإذا حصل الذنب من العبد تباعدا ، فإذا حصل الاستغفار تقاربا ثانية . فيكون هذا التقارب تكرارا للتقارب السابق . وهو معنى العود . يعني إلى المكان الذي كانا فيه أو الحال الذي كانا عليه .
ما وراء الفقه — صفحة 155
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٥٥