ويتم الكلام في هذه الآية الشريفة في عدة جهات :
الجهة الأولى : في فهم الآية عموما .
وبحسب ظاهرها تعرب الآية الكريمة عن حادثتين منفصلتين .
أولاهما : قامت بها الشياطين . وثانيتهما : قامت بها الملائكة ، وبالأخص : الملكين هاروت وماروت . وكلا الحادثتين موجبتان أو سببان لتعلم السحر بالنسبة إلى الناس والظاهر أن كلا منهما مفترقة عن الأخرى زمانا ومكانا ببون شاسع .
فالأولى في فلسطين ، محل ملك سليمان والأخرى ببابل . والظاهر أنها بابل العراق . وأما زمانهما فالأولى وقعت بعد وفاة سليمان . والأخرى جاءت مهملة من الزمن ، فإن المهم العبرة الموجودة في الحادثة وليس تاريخها .
وبابل عاشت ، كمجتمع عدة آلاف من السنين ، وإن اندثرت الآن ، ومن هنا قسموها إلى عهود ثلاثة . ولا نعلم ما إذا كان بعض هذه العهود معاصرا مع ملك سليمان أم لا . ولا أن الحادثة التي في بابل حصلت خلال ملك سليمان أم قبله أم بعده . وعلى أي حال فليس هذا مهما الآن بالمرة .
أما الحادثة الأولى : فأوضح ما ينطبق على ظاهر الآية الكريمة من الروايات . ما عن الإمام الباقر عليه السلام في حديث : قال فلما هلك سليمان وضع إبليس السحر وكتبه في كتاب ثم طواه وكتب على ظهره : هذا ما وضع آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم . من أراد كذا وكذا فليعمل كذا وكذا .
ثم دفنه تحت سريره . ثم استناره لهم فقرأوه . فقال الكافرون : ما كان يغلبنا سليمان إلا بهذا . وقال المؤمنون بل هو عبد اللَّه ونبيه . فقال اللَّه جل ذكره * ( وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ) * .
ما وراء الفقه — صفحة 64
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٦٤