حقيقيا ، يشهد اللَّه له في الآية بالاتباع . وإنما ذاك صورة الاتباع وليس واقعا .
الأمر الثالث : أن الرهبانية من الرهبة . وهي درجة عالية من درجات الخوف من اللَّه عزّ وجلّ . قال اللَّه عزّ وجلّ * ( لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ) * [ الأعراف : 154 ] . والرهبانية مصدر اصطناعي استعمل في القرآن بدل المصدر الأول أو الحقيقي أعني الرهبة ، للتمييز بين الأمرين بمقدار ما .
وما ندركه من التمييز بينهما : أن الرهبة ، مجرد عاطفة نفسية أو قلبية .
ولكن الرهبانية هي هذه الرهبة بالذات مع ما تستتبعه من سلوك حياتي معين . هو في الأغلب الانقطاع عن الناس وترك طريق الدنيا على العموم .
وسيأتي فيما بعد إن شاء اللَّه ما إذا كان هذا هو الطريق المنحصر للرهبة أم لا .
الأمر الرابع : ممّا نفهمه من الآية الكريمة : أن الرهبانية : مكانها الأصلي هو القلب . * ( وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوه ُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ) * .
فهي عطاء من اللَّه عزّ وجلّ موطنه قلوب أولئك الذين اتبعوا نبيّهم اتباعا حقيقيا .
والقلب هو ( ظرف ) العواطف . كما أن العقل هو ( ظرف ) الإدراك والفكر . والرهبانية أو الرهبة من أجلّ العواطف تجاه اللَّه عزّ وجلّ ، وتحصل عندما يدرك الفرد بوضوح موقفه المتصاغر كعبد ذليل خاضع للَّه الربّ القوي العظيم . فتحدث في قبله الرهبة والخشية وفي جسمه الرعدة وفي وجهه الصفرة وفي فكره الذلة وفي نفسه الضعة أمام اللَّه العلي العظيم .
الأمر الخامس : الرهبة هي الاستعظام يعني الشعور بأن الطرف الآخر عظيم وجليل ومرهوب الجانب .
وهذا قد يحدث للأمور الدنيوية ، كبعض الأعمال الصعبة ولذا قيل في المثل : إذا هبت أمرا فقع فيه . والهيبة والرهبة متشابهان في هذا المجال .
ما وراء الفقه — صفحة 349
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٣٤٩