لِمَا دخَل النِّداءَ من الحذف والتغييرِ ، فأَرادوا أَن يُعَوِّضوا هذين الحرفين كما يقولون أَيْنُق ، لمَّا حذفوا العين جعلوا الياء عِوَضاً ، فلما أَلحقوا الهاء صيَّروها بمنزلة الهاء التي تلزَم الاسم في كل موضع ، واختص النداء بذلك لكثرته في كلامهم كما اختصَّ بيا أَيُّها الرجل .
وذهب أَبو عثمان المازني في قراءة من قرأَ يا أَبَةَ ، بفتح التاء ، إِلى أَنه أَراد يا أَبَتاه فحذف الأَلف ؛ وقوله أَنشده يعقوب :
تقولُ ابْنَتي لمَّا رأَتْ وَشْكَ رِحْلَتي : * كأَنك فِينا ، يا أَباتَ ، غَريبُ
أَراد : يا أَبَتاه ، فقدَّم الأَلف وأَخَّر التاء ، وهو تأْنيث الأَبا ، ذكره ابن سيده والجوهري ؛ وقال ابن بري : الصحيح أَنه ردَّ لامَ الكلمة إِليها لضرورة الشعر كما ردَّ الآخر لامَ دَمٍ في قوله :
فإِذا هي بِعِظامٍ ودَمَا
وكما ردَّ الآخر إِلى يَدٍ لامَها في نحو قوله :
إِلَّا ذِراعَ البَكْرِ أَو كفَّ اليَدَا
وقوله أَنشده ثعلب :
فقامَ أَبو ضَيْفٍ كَرِيمٌ ، كأَنه ، * وقد جَدَّ من حُسْنِ الفُكاهة ، مازِحُ
فسره فقال : إِنما قال أَبو ضَيْف لأَنه يَقْرِي الضِّيفان ؛ وقال العُجَير السَّلُولي :
تَرَكْنا أَبا الأَضْياف في ليلة الصَّبا * بمَرْوٍ ، ومَرْدَى كل خَصْمٍ يُجادِلُه
وقد يقلبون الياء أَلِفاً ؛ قالت دُرْنَى بنت سَيَّار بن ضَبْرة تَرْثي أَخَوَيْها ، ويقال هو لعَمْرة الخُثَيْمِيَّة :
هُما أَخَوا في الحَرْب مَنْ لا أَخا لَه ، * إِذا خافَ يوماً نَبْوَةً فدَعاهُما
وقد زعموا أَنِّي جَزِعْت عليهما ؛ * وهل جَزَعٌ إِن قلتُ وابِأَبا هُما ؟
تريد : وابأَبي هُما .
قال ابن بري : ويروى وابِيَباهُما ، على إِبدال الهمزة ياء لانكسار ما قبلها ، وموضع الجار والمجرور رفع على خبرهما ؛ قال ويدلُّك على ذلك قول الآخر :
يا بأَبي أَنتَ ويا فوق البِيَبْ
قال أَبو عليّ : الياء في بِيَب مُبْدَلة من هَمزة بدلاً لازماً ، قال : وحكى أَبو زيد بَيَّبْت الرجلَ إِذا قلت له بِأَبي ، فهذا من البِيَبِ ، قال : وأَنشده ابن السكيت يا بِيَبا ؛ قال : وهو الصحيح ليوافق لفظُه لفظَ البِيَبِ لأَنه مشتق منه ، قال : ورواه أَبو العلاء فيما حكاه عنه التِّبْرِيزي : ويا فوق البِئَبْ ، بالهمز ، قال : وهو مركَّب من قولهم بأَبي ، فأَبقى الهمزة لذلك ؛ قال ابن بري : فينبغي على قول من قال البِيَب أَن يقول يا بِيَبا ، بالياء غير مهموز ، وهذا البيت أَنشده الجاحظ مع أَبيات في كتاب البيان والتَّبْيين لآدم مولى بَلْعَنْبَر يقوله لابنٍ له ؛ وهي :
يا بِأَبي أَنتَ ، ويا فَوق البِيَبْ ، * يا بأَبي خُصْياك من خُصىً وزُبْ
أَنت المُحَبُّ ، وكذا فِعْل المُحِبْ ، * جَنَّبَكَ الله مَعارِيضَ الوَصَبْ
حتى تُفِيدَ وتُداوِي ذا الجَرَبْ ، * وذا الجُنونِ من سُعالٍ وكَلَبْ
بالجَدْب حتى يَسْتَقِيمَ في الحَدَبْ ، * وتَحْمِلَ الشاعِرَ في اليوم العَصِبْ
على نَهابيرَ كَثيراتِ التَّعَبْ ، * وإِن أَراد جَدِلاً صَعْبٌ أَرِبْ
الأَرِبُ : العاقِلُ .
لسان العرب — صفحة 10
مساهمون: ابن منظور
ص١٠