وأما قول موسى : أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي ، فربما توهم جاهل أنه في معنى الحسد .
والحسد لا يجوز في حق الأنبياء ، إنما يكون في معنى الغبطة . وقد قيل : إنما بكى رحمة لأمته ، وتمنيا لهم الخير ، لأنه بالغ في الاجتهاد معهم ، وطال زمنهم إلى مجيء عيسى عليه السلام ، ثم زاد عدد السالمين من أمة محمد [ صلى الله عليه وسلم ] عليهم .
فإن قال قائل : كيف قال : هذا الغلام ، وهو لفظ يقتضي التصغير ؟ فالجواب : أنه تعجب من منة الله عليه مع صغر سنه .
ويحسن في ذكر النعم تصغير المنعم عليه لينفرد المنعم بالعظمة ، كقوله تعالى : « إن هو إلا عبد أنعمنا عليه » [ الزخرف : 59 ] وقوله عز وجل :
« ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى » [ الضحى : 6 ، 7 ] .
وأما البيت المعمور فهو الكثير الغاشية ، كأنه عمر بمن يغشاه .
قال ابن عباس : هو حيال الكعبة ، يحجه كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة ( 1 ) .
ومعنى آخر ما عليهم : أبدا .
وقوله في اللبن : « هي الفطرة » أصل الخلقة . وهناك وقع الإقرار بالخالق من غير شوب دعوى في حق غيره . فكأنه أشار بالفطرة إلى الإقرار بالتوحيد ، لأن الخمر يشاب ، والعسل يشاب ، بخلاف اللبن .
وقوله : « أحد الثلاثة بين الرجلين » : أي ليس بالطويل ولا بالقصير .
هامش
( 1 ) الطبري ( 27 / 11 ) ، و « الدر المنثور » ( 6 / 117 ) .