يتلو ميميّة الفرزدق فلا يكاد أن يطير شوقا إلى الممدوح وحبّا له ؟
أو ينشد هاشميّات الكميت فلا يمتلئ حجاجا للحقّ ؟
أو يترنّم بعينيّة الحميري فلا يعلم أنّ الحقّ يدور على الممدوح بها ؟
أو تلقى عليه تائيّة دعبل فلا يستاء لاضطهاد أهل الحقّ ؟
أو تصكّ سمعه ميميّة الأمير أبي فراس فلا تقف شعرات جلدته ؟ ثمّ لا يجد كلّ عضو منه يخاطب القوم بقوله :
يا باعة الخمر كفّوا عن مفاخركم * لعصبة بيعهم يوم الهياج دم
وبهذه الغاية المهمّة كان الشعر في القرون الأولى مدحا وهجاء ورثاء كالصارم المسلول بيد موالي أئمّة الدين ، وسهما مغرقا في أكباد أعداء اللّه ، ومجلّة دعاية إلى ولاء آل اللّه في كلّ صقع وناحية .
وكانوا - صلوات اللّه عليهم - يضحّون دونه بثروة طائلة ، ويبذلون من مال اللّه للشعراء ما يغنيهم عن التكسّب والاشتغال بغير هذه المهمّة ، وكانوا يوجّهون الشعراء إلى هذه الناحية ، ويحتفظون بها بكلّ حول وطول ، ويحرّضون الناس عليها ، ويبشّرونهم عن اللّه - وهم امناء وحيه - بمثل قولهم :
« من قال فينا بيت شعر بنى اللّه له بيتا في الجنّة » .
ويحثّونهم على تعلّم ما قيل فيهم وحفظه ، بمثل قول الصادق الأمين عليه السّلام :
« علّموا أولادكم شعر العبدي » .
وقوله : « ما قال فينا قائل بيت شعر حتّى يؤيّد بروح القدس » « 1 » .
وروى الكشّي في رجاله « 2 » عن أبي طالب القميّ ، قال : كتبت إلى
هامش
( 1 ) - عيون أخبار الرضا [ 1 / 15 ] ؛ رجال الكشّي : 254 [ 2 / 704 ، رقم 748 ] .
( 2 ) - رجال الكشّي : 160 [ 2 / 838 ، رقم 1074 و 1075 ] .