فصل
الجواب عما ذكروه أولا : أن تأويل ما حكيتم على خلاف ما توهمتم ، لان
الذي نفاه من كون سبيل الكفار على المؤمنين إنما هو من طريق قيام الحجة
منهم على المسلمين في دينهم ، في إقامة دليل على فساد دينهم ، ولم يرد بذلك
المسالبة والمغالبة ، وهو معنى قوله : ( ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) ( 1 )
أي بالدلالة والحجة ، لا بالمغالبة والمعازة .
ويحيى بن زكريا لما قتل كانت حجته ثابتة على من قتله ، وكان هو الظاهر
عليه بحقه وإن كان في ظاهر أمر الدنيا مغلوبا ، فإذا قهر بحق لم يدل ذلك على
بطلان أمره ، وفساد طريقه .
وأما قوله : ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) ففيه جوابان :
أحدهما : أنه أراد إن كان بهم فقر إلى الجماع استغنوا بالنكاح .
والثاني : أنه خرج على الأغلب من أحوالهم ، وقد قال تعالى بعد ما تزوج
محمد صلى الله عليه وآله خديجة : ( ووجدك عائلا فأغنى ) ( 2 ) أي أغناك بمالها .
وأما قوله : ( والله يعصمك من الناس ) فالمعنى أنه يعصمك من قتلهم إياك .
وقوله : ( ادعوني أستجب لكم ) فيه أجوبة :
أحدها : أن فيه إضمارا ، أي : إن رأيت لكم مصلحة في الدين ، وقد صرح به
في قوله : ( فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ) ( 3 ) .
والثاني : أن الدعاء هو العبادة ، أي : اعبدوني بالتوحيد أجزكم عليه ، يدل
على ذلك قوله : ( إن الذين يستكبرون عن عبادتي ) ( 4 ) .
هامش
1 ) سورة التوبة : 33 .
2 ) سورة الضحى : 7 .
3 ) سورة الأنعام : 41 .
4 ) سورة غافر : 40 .