مقدمة
إعلم أنه يحرم القرآن على الجنب والحائض سواء مسه وقراءته ،
وذلك بمقتضى الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والآثار عن
السلف ، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة رضي الله عن الجميع
ولنفصل ذلك ولندلل عليه فنقول :
اعلم يرحمك الله تعالى أن الحائض أغلظ حدثا من الجنابة ، فما
ينطبق على الجنب ينطبق عليها ، وما ينطبق عليها قد لا ينطبق على
الجنب لأنها أغلظ حدثا منه ، فمثلا الجنب لا يحل له المكث في
المسجد وكذا هي لان حدثها أشد وقد جاء ذلك في قوله عليه الصلاة
والسلام : " إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " صحيح ( 1 ) ، وروي
هامش
( 1 ) قلت : قال الحافظ ابن حجر في التلخيص ( 1 / 139 - 140 ) : رواه أبو داود
من حديث جسرة عن عائشة وفيه قصة ، وابن ماجة والطبراني من حديث جسرة
عن أم سلمة ، وحديث الطبراني أتم ، وقال أبو زرعة : الصحيح حديث جسرة
عن عائشة . . وقد صححه ابن خزيمة ، وحسنه ابن القطان . ا ه .
قلت : ومن الغريب العجيب أن يضعف الألباني هذا الحديث في إرواء الغليل
( 1 / 120 ) بجسرة ناقلا قول البخاري : ( وعن جسرة عجائب ) وجوابه : أن هذا
تضعيف مردود ، لان المعمول به عند الحفاظ توثيقها ، وقول البخاري أن عندها
العجائب لا يضعف حديثها فان عند كثير من رواة الصحيح عجائب ، تجنب
الحفاظ تلك العجائب وأخذوا بالباقي ولو أن الألباني نقل تمام ما قيل في جسرة
لانكشف بطلان كلامه ، فلنتم كلام الحفاظ فيها فنقول : قال الحافظ ابن حجر
في تهذيب التهذيب ( 12 / 435 دار الفكر ) :
روت عن أبي ذر وعلي وعائشة وأم سلمة ، وعنها قدامة وافلت ابن خليفة
ومحدوج الذهلي وعمر بن عمير بن محدوج ، قال العجلي : ثقة تابعية وذكرها ابن
حبان في الثقات قلت : وذكرها أبو نعيم في الصحابة وقال البخاري عن جسرة
عجائب . قال أبو الحسن ابن القطان هذا القول لا يكفي لمن يسقط ما روت ،
كأنه يعرض بابن حزم لأنه زعم أن حديثها باطل ، ا ه كلام ابن حجر رحمه الله
تعالى .
وقال الحافظ في تقريب التهذيب ( 8551 ) : مقبولة من الثالثة ، ويقال أن لها
ادراكا ، ا ه وقال الحافظ الذهبي في الكاشف ( 3 / 466 برقم 22 / 2 ) : ( وثقت ) .
ا ه .
فلا أدري لم كتم الألباني كل ذلك ولم يذكر إلا قول الجارح وهو غير معمول
به بل لا يفيده هنا شيئا ، وقد ذكر الألباني في نفس الصحيفة من الارواء ( 1 / 210 )
أن البيهقي روى في تأييد حديث جسرة أيضا عن ابن عباس قال : " لا تدخل
المسجد وأنت جنب إلا أن يكون طريقك فيه ، ولا تجلس " في تفسير قول الله
تعالى : ( ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) . ثم قال الألباني : لكن فيه
أبو جعفر الرازي وهو ضعيف ، ومع ضعفه فإنه مخالف لسبب نزول الآية ، فقد
قال علي رضي الله عنه : " أنزلت هذه الآية في المسافر : ( ولا جنبا إلا عابري سبيل
حتى تغتسلوا ) قال : إذا أجنب فلم يجد الماء تيمم وصلى حتى يدرك الماء ، فإذا
أدرك الماء اغتسل " ا ه .
وأجيب الألباني فأقول له :
كلامك غير صحيح من أوجه :
( الأول ) :
قولك ( لكن فيه أبو جعفر الرازي وهو ضعيف ) ليس صحيحا ، وذلك لان
أبا جعفر الرازي ثقة ، وضعف حديثه في روايته عن مغيرة فقط ، ( وكلمة نحوه
بعدها من تحريف النساخ لا قيمة له ) كما ذكر ذلك الحفاظ وعلى رأسهم علي المديني
ويحيى بن معين ، ففي تهذيب التهذيب ( 12 / 59 دار الفكر :
وقال حنبل عن أحمد : صالح الحديث ، وعن ابن معين : كان ثقة خراسانيا ،
وقال الدوري عن ابن معين : ثقة وهو يغلط فيما يروي عن مغيرة ، وعن علي بن
المديني : يخلط فيما روى عن مغيرة وقال علي : كان عندنا ثقة . ا ه ملخصا .
فرجل يوثقه : يحيى بن معين وعلي بن المديني ويبينا جهة الضعف في حديثه
لا يقال عنه ضعيف ، وخصوصا ان الإمام أحمد يقول في رواية : صالح الحديث ،
ووثقه أيضا : أبو حاتم فقال : ثقة صدوق صالح الحديث ، ووثقه أيضا ابن سعد
والحاكم وابن عبد البر ، كما في تهذيب التهذيب ، وكلام من جرحه لا شك انه
منصب في روايته عن مغيرة كما وضح ذلك أئمة الفن يحيى ين معين وعلي المديني
فتدبر .
وهذا الأثر لم يروه أبو جعفر عن مغيرة وإنما رواه عن زيد ابن أسلم كما في
سنن الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى ( 2 / 443 ) فتأمل .
وبه يسقط تضعيف الألباني للأثر . والألباني متى أراد أن يوثق رجلا لكون
حديثه يؤيد ما يهوى ويتمنى وثقه ، فعبد الله بن محمد بن عقيل الذي قال عنه في
تعليقه على سنة ابن أبي عاصم ص ( 225 ) حسن الحديث ، مع أن أكثر من عشرة
أئمة من أكابر علماء الجرح والتعديل ضعفوه جدا ومنهم من وصفه بأنه متروك انظر
تهذيب التهذيب ( 6 / 13 دار الفكر ) والألباني يقول : حسن الحديث . ا ه .
( ا لثاني ) :
قوله ( ومع ضعفه فإنه مخالف لسبب نزول الآية ) قول مردود ، لأنه غفل عن
القاعدة الأصولية الناصة بأن : ( العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ) فابن
عباس رضي الله عنهما استنبط من الآية ما ذكر ، فلا تعارض بين الاثرين .
وخصوصا أن الحافظ قال في التخليص ( 1 / 138 ) : وصح عن عمر : " أنه كان
يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب " وساقه عنه في الخلافيات : بإسناد صحيح ا ه .