لا يكاد يتعلّق الأمر الغيريّ إلاّ بما هو مقدّمة الواجب ، فلو كان ( 1 ) مقدّميّته متوقّفة
على تعلّقه بها لدار .
والشرطيّة وإن كانت منتزعةً عن التكليف ، إلاّ أنّه عن التكليف النفسيّ المتعلّق بما قيّد بالشرط ( 2 ) ، لا عن الغيريّ ، فافهم .
تتمّة
[ في مقدّمة المستحبّ والحرام والمكروه ]
لا شبهة في أنّ مقدّمة المستحبّ كمقدّمة الواجب ، فتكون مستحبّة لو قيل بالملازمة .
وأمّا مقدّمة الحرام والمكروه فلا تكاد تتّصف بالحرمة أو الكراهة ، إذ منها ما يتمكّن معه من ترك الحرام أو المكروه اختياراً كما كان متمكّناً قبله ، فلا دَخْلَ له أصلا في حصول ما هو المطلوب من ترك الحرام أو المكروه ، فلم يترشّح من طلبه طلب ترك مقدّمتهما .
نعم ، ما لم يتمكّن معه من الترك المطلوب لا محالة يكون مطلوبَ الترك ، ويترشّح من طلب تركهما ( 3 ) طَلَبُ تَرْكِ خصوص هذه المقدّمة ، فلو لم يكن للحرام مقدّمة لا يبقى معها اختيارُ تركه لما اتّصف بالحرمة مقدّمةٌ من مقدّماته ( 4 ) .
هامش
( 1 ) هكذا في النسخ . والصحيح « كانت » .
( 2 ) فمتعلّق الأمر النفسيّ هو الصلاة مع الطهارة - مثلا - ، لا الصلاة والطهارة ، حتّى يقال : لا يصحّ تعلّق الأمر الغيريّ بالشرط بعد تعلّق الأمر النفسيّ به .
( 3 ) أي : الحرام والمكروه .
( 4 ) والحاصل : أنّ المحرّم من مقدّمات الحرام انّما هو ما لا يتوسّط بينها وبين الحرام اختيارٌ ، وهي الأسباب التوليديّة في المحرّمات التوليديّة والإرادة في المحرّمات الإراديّة .
ولكن أورد عليه السيّد الإمام الخمينيّ بأنّ النفس لمّا كانت فاعلة بالآلة في العالَم الطبيعيّ لا يمكن أن تكون إرادتها بالنسبة إلى الأفعال الخارجيّة المادّية جزءاً أخيراً للعلّة ، بل هي مؤثّرة في الآلات والعضلات بالقبض والبسط حتّى تحصل الحركات العضويّة وترتبط بواسطتها بالخارج ، فتحقّق الأفعال الخارجيّة .
ثمّ ذهب إلى حرمة الجزء الأخير إذا كانت أجزاء العلّة مترتّبة ، وأحدِ الأجزاء إذا كانت عرضيّة . وذلك لمساعدة الوجدان ، ولأنّ الزجر عن الفعل مستلزم للزجر عمّا يُخرج الفعل
من العدم إلى الوجود ، وهو الجزء الأخير في المترتِّبات وأحدُ الأجزاء في غيرها . مناهج الوصول 1 : 415 - 418 .
وفي المقام تفاصيل أخر لا بأس بالتعرّض لبعضها :
الأوّل : أنّ مقدّمة الحرام هي المقدّمة حال الايصال إلى المحرّم ، دون مطلق المقدّمة . فتكون كلّ مقدّمة من مقدّمات فعل الحرام متّصفةً بالحرمة الغيريّة في ظرف انضمامها ببقيّة المقدّمات الملازم لترتّب الحرام عليها . هذا ما ذهب إليه المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار 1 : 357 ، وبدائع الأفكار 1 : 403 .
الثاني : أنّ ترك الحرام يتحقّق بترك أحدى مقدّمات الوجود ، ومنه علم أنّ مقتضى القاعدة وجوب أحد التروك تخييراً ، وتعيّنه في ترك المقدّمة الأخيرة ، لا وجوب ترك الأخيرة بقول مطلق . وهذا ما اختاره المحقّق الإصفهاني في نهاية الدراية 1 : 422 .
الثالث : أنّ مقدّمة الحرام تنقسم إلى ثلاثة أقسام :
أحدها : ما لا يتوسّط بينه وبين ذيه اختيار الفاعل وإرادته ، بحيث لو أتى بالمقدّمة فيقع ذو المقدّمة في الخارج قهراً . وهذا القسم حرام بالحرمة النفسيّة ، لا غيريّة ، لأنّ النهي الوارد على ذي المقدّمة واردٌ عليها حقيقةً .
ثانيها : ما يتوسّط بينه وبين ذيه اختيار الفاعل ، إلاّ أنّ الفاعل يقصد بإتيانه التوصّل إلى الحرام . وهذا القسم أيضاً حرام ، غاية الأمر أنّها حرام بالحرمة النفسيّة لو قلنا أنّ حرمتها من باب حرمة التجرّي ، وبالحرمة الغيريّة لو قلنا بسراية الحرمة إليه من ذي المقدّمة .
وثالثها : ما يتوسّط بينه وبين ذيه إرادة الفاعل ، إلاّ أنّه لم يقصد بإتيانه التوصّل إلى الحرام . وهذا القسم ليس بحرام .
هذا ما أفاده المحقّق النائينيّ على ما في تقريرات بحث المحقّق الخوئيّ ، فراجع المحاضرات 2 : 439 .
ولا يخفى : أنّ هذه التفاصيل أيضاً لا تخلو عن المناقشة ، فإن أردت التحقيق حول ما أفادوه والإطّلاع على سائر التفاصيل والآراء فراجع مناهج الوصول 1 : 415 - 419 ، ودرر الفوائد 1 : 99 - 100 ، ونهاية الأصول : 188 ، ومحاضرات في أصول الفقه 2 : 439 - 440 .