جواز التقليد إنما دلت على جواز رجوع غير العالم إلى العالم كما لا يخفى ، وقضية
مقدمات الانسداد ليست إلا حجية الظن عليه لا على غيره ، فلا بد في حجية اجتهاد
مثله على غيره من التماس دليل آخر غير دليل التقليد وغير دليل الانسداد الجاري
في حق المجتهد ، من إجماع أو جريان مقدمات دليل الانسداد في حقه ، بحيث
تكون منتجة لحجية الظن الثابت حجيته بمقدماته له أيضا ، ولا مجال لدعوى
الاجماع ، ومقدماته كذلك غير جارية في حقه ، لعدم انحصار المجتهد به ، أو عدم
لزوم محذور عقلي من عمله بالاحتياط وان لزم منه العسر ، إذا لم يكن له سبيل إلى
إثبات عدم وجوبه مع عسره .
نعم ، لو جرت المقدمات كذلك ، بأن انحصر المجتهد ، ولزم من الاحتياط
المحذور ، أو لزم منه العسر مع التمكن من إبطال وجوبه حينئذ ، كانت منتجة
لحجيته في حقه أيضا ، لكن دونه خرط القتاد ، هذا على تقدير الحكومة .
وأما على تقدير الكشف وصحته ، فجواز الرجوع إليه في غاية الاشكال لعدم
مساعدة أدلة التقليد على جواز الرجوع إلى من اختص حجية ظنه به ، وقضية
مقدمات الانسداد اختصاص حجية الظن بمن جرت في حقه دون غيره ، ولو سلم
أن قضيتها كون الظن المطلق معتبرا شرعا ، كالظنون الخاصة التي دل الدليل على
اعتبارها بالخصوص ، فتأمل .
إن قلت : حجية الشئ شرعا مطلقا لا يوجب القطع بما أدى إليه من الحكم
ولو ظاهرا ، كما مر تحقيقه ( 1 ) ، وأنه ليس أثره إلا تنجز الواقع مع الإصابة ، والعذر
مع عدمها ، فيكون رجوعه إليه مع انفتاح باب العلمي عليه أيضا رجوعا إلى
الجاهل ، فضلا عما إذا انسد عليه .
قلت : نعم ، إلا أنه عالم بموارد قيام الحجة الشرعية على الاحكام ، فيكون
من رجوع الجاهل إلى العالم .
هامش
( 1 ) في بيان الامارات غير القطعية ، ص 277 .