أبو ذر رسول الله صلى الله عليه وآله فقيل له انه في حائط كذا وكذا ، فتوجه في طلبه فوجده نائما
فأعظمه أن ينبهه ، فأراد ان يستبري نومه من يقظته فأخذ عسيبا يابسا فكسره ليسمعه
صوته فسمعه رسول الله صلى الله عليه وآله فرفع رأسه ، فقال : يا أبا ذر تخدعني أما علمت أني
أرى أعمالكم في منامي كما أراكم في يقظتي ان عيني تنامان ولا ينام قلبي .
شرح
قوله عليه السلام : فأخذ عسيبا يابسا .
باهمال العين المفتوحة وكسر السين المهملة وتسكين المثناة من تحت قبل
الياء الموحدة ، أي جريدة من النخل مستقيمة دقيقة .
قوله صلى الله عليه وآله : ان عيني تنامان ولا ينام قلبي
قال السيد المكرم الرضي أخو السيد المعظم المرتضى رضي الله تعالى عنهما
في كتاب مجازات الحديث : ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام تنام عيناي ولا ينام
قلبي . وهذا القول عند المحققين من العلماء مجاز ، لأنه عليه السلام لو كان قلبه لا ينام على
الحقيقة كقلوب الناس لكان ذلك من أكبر معجزاته وأبهر آياته ، ولوجب أن تتظاهر
الاخبار بنقله ، كما تظاهرت بنقل غيره من أعلامه ودلالته .
ومما يحقق قولنا ما رواه عبد الله بن عباس رحمهما الله من أنه صلى الله عليه وآله نام ونفخ
فصلى ولم يتوض ، فقيل له عليه الصلاة والسلام في ذلك فقال : ليس الوضوء على
من نام قاعدا انما الوضوء على من نام مضطجعا ، وفى بعض الروايات أو متوركا فإنه
إذا نام كذلك استرخت مفاصله .
فبين عليه الصلاة والسلام أنه لو نام مضطجعا للزمه الوضوء لاسترخاء مفاصله ،
فلو كان قلبه لا ينام لما وجب عليه الوضوء إذا نام مضطجعا ، كما لا يجب عليه إذا نام
قاعدا ، وقد يجوز أن يكون المراد بقوله عليه السلام : تنام عيناي ولا ينام قلبي . أنه لا يعتقد
في حال نومه من الرؤيا الفاسدة والمنامات المتضادة ما يعتقده غيره من سائر البشر ،
فيكون في حكم المستيقظ وبمنزلة المتحفظ ( 1 ) انتهى كلامه رفع مقامه .
هامش
( 1 ) المجازات النبوية : 175 - 176