المسألة السابعة : في المتولد
قال : وحسن المدح والذم على المتولد يقتضي العلم بإضافته إلينا .
أقول : الأفعال تنقسم إلى المباشر والمتولد والمخترع :
فالأول : هو الحادث ابتداء بالقدرة في محلها ( 1 ) .
هامش
( 1 ) قد قسم الحكماء الأفعال إلى مبتدع ومخترع وكائن ، وإلى تام وناقص ، والناقص إلى مكتف
وغيره ، وإلى زماني ودهري وسرمدي و . . . ( ) .
وقسمها المتكلمون إلى المباشر ، والمتولد ، والمخترع :
1 - عرفوا المباشر بالحادث ابتداء بالقدرة في محلها . وهو يختص بغير الواجب لأنه تعالى لا يفعل
فعلا في ذاته .
2 - عرفوا المتولد بالحادث الذي يحدث بحسب فعل آخر كالحركة الصادرة عن الاعتماد ، فالميل
الحادث في الحجر فعل مباشر ، والحركة إلى السفل فعل متولد . وكالقوة الحادثة في العضلة
المتولدة منها حركة العضو ، فالأولى فعل مباشر والثانية فعل متولد ، سواء كان الثاني حادثا في
محل القدرة ، كما في هذين المثالين أو في غير محلها كالحركة الحادثة في المفتاح بسبب حركة
اليد ، وكتحريك الشجرة ، المتولد منها انفصال الثمرة من الغصن ، وبالرمي بالسهم لقتل الإنسان ،
ثم المتولد قد يكون بلا واسطة كما في الحادث في محل القدرة ، وأخرى بواسطة واحدة أو بأكثر ،
كما في الحادث بغير محلها .
وأما المراد من " الاعتماد " في قوله : " الحركة الصادرة عن الاعتماد " هو الميل الذي يحدث في الحجر
وتحدث بسببه الحركة وهو اصطلاح لهم .
-
1 - لاحظ شرح المنظومة ، قسم الإلهيات ، الفريدة الثالثة : ص 182 ، وأسرار
الحكم : ص 143 ، وما ذكر في المتن تقسيم للفعل في منهج المشائين ، وأما
الإشراقيون فلهم تقسيمات أخر حسب أذواقهم ، لاحظ أسرار الحكم ص 147 ،
والغرض الإشارة العابرة إلى أن لكل فرقة تقسيما للفعل والمقصود شرح ما جاء
في المتن .
قال قطب الدين النيسابوري المقري : " الاعتماد معنى إذا وجد أوجب كون محله في حكم المدافع
لما يماسه مماسة مخصوصة - إلى أن قال - : إن أحدنا إذا وضع حجرا على يده ، وجد اعتماد
الحجر حتى كأنه في يده فهذا طريق إلى إثبات الاعتماد " ( 1 ) .
ونذكر نكتتين :
الأولى : أن تعريف الفعل المباشر ( الحادث ابتداء بالقدرة في محلها ) لا ينطبق على الميل
الموجود في الأجسام ، فإنه أمر طبيعي لها لا فعل لها - على عقيدة القدماء حيث قالوا : إن في كل
جسم ميلا طبيعيا إلى مركزه ( الأرض ) - أو معلول جاذبية الأرض على المقرر في العلم الحديث ،
مع أن الظاهر منهم أنه فعل ، حيث قال : " هو الحادث الذي يقع بحسب فعل آخر كالحركة الصادرة
عن الاعتماد " ، حيث سمى الاعتماد فعلا ، نعم هو فعل الله بمعنى أنه أوجد الميل في الأجسام ،
ولكن لا يعد فعلا للبشر إلا أن يكون المراد أنه فعل الله ومقدوره .
الثانية : أن حركة الأعضاء على هذا فعل متولد مع أنه من الأفعال المباشرية عند الحكماء
والأصوليين ، وما هذا لأن الاعتماد والميل ليس عندهم فعلا .
3 - عرفوا المخترع بما يفعل لا لمحل . ومثاله الأجسام وبل خلق السماوات والأرض .
وينقض الحصر بالأعراض ، فإنها ليست من الأقسام الثلاثة ، إلا أن يدرج في المتولد ، لأنه الحادث بعد
فعل وهو خلق الأجسام ، وعلى كل تقدير التقسيم مبني على حصر الأفعال بالمادة والماديات ،
مع أنه أعم منها ومن المجردات التي غفل عنه المتكلمون غير الواعين منهم .
ثم إن الفعل المباشر وقع مثارا للبحث وأنه فعل اختياري أو لا ، ويتلوه في هذا النزاع : المتولد ، فاختاره
الماتن أنه منسوب إلى الإنسان ، فهو أيضا فعل اختياري ، فعلم أن
-
1 - الحدود : المعجم الموضوعي للمصطلحات الكلامية : 36 ، ولاحظ شرح المقاصد : 2 / 244 .
طرح هذا التقسيم في المقام لأجل تبيين حكمه من حيث الجبر والاختيار وقد ذكر الشارح في
المتولد أقوالا :
1 - خيرة جمهور المعتزلة وهو مختار الماتن .
2 - ما اختاره معمر بن عباد السلمي المتوفى عام 215 ه خريج مدرسة الاعتزال في البصرة ، وقد
نقل الشهرستاني منه ما يلي : " إن الله تعالى لم يخلق شيئا غير الأجسام فأما الأعراض فإنها من
اختراعات الأجسام إما طبعا كالنار التي تحدث الإحراق ، وإما اختيارا كالحيوان الذي يحدث
الحركة والسكون والاجتماع والافتراق " ( 1 ) . وهو قريب مما ذكره الشارح .
3 - ما قالته عدة من المعتزلة وهو : لا فعل للعبد إلا الفكر ، ويفارق القول الثاني بأن الفكر أعم من
الإرادة ، وطبع الحال يقتضي أنه يسند الباقي إلى المحل طبعا أو اختيارا .
4 - ما ذهب إليه أبو إسحاق النظام ( وهو إبراهيم بن سيار المعتزلي ) ( 160 - 232 ه ) وهو جعل فعل
الإنسان نفس الحركات الحادثة فيه حسب دواعيه ، والإرادة والاعتقادات حركات القلب ( أي
مظاهر لحركته ) والأفعال المنفصلة كالكتابة فعل الله عن طريق طبع المحل . وعقيدته في الروح
ما هو ذكره الشهرستاني عنه : أن الروح جسم لطيف مشابك للبدن مداخل للقلب بأجزائه مداخلة
المائية في الورد ، والدهنية في السمسم ( 2 ) وبذلك يظهر معنى قوله " منساب " فإنه من ساب
الماء : أي جرى وفي بعض النسخ " سار " فالروح سار في القلب سريان الماء في الورد .
5 - قول ثمامة بن الأشرس المعتزلي المتوفى عام 234 خريج مدرسة الاعتزال في بغداد ، وكلامه في
المقام عجيب منه ، كيف يدعي إنسان إلهي ، وجود الفعل بلا فاعل .
-
1 - الشهرستاني : الملل والنحل : 1 / 66 ط دار المعرفة بيروت . إقرأ آراءه فيها .
2 - الشهرستاني : الملل والنحل : 1 / 55 ط دار المعرفة بيروت . إقرأ آراءه فيها يزيدك إيضاحا لعبارات الكتاب .