الثاني : أن من أساء إلى غيره واعتذر إليه بأنواع الاعتذارات وعرف منه
الإقلاع عن تلك الإساءة بالكلية فإن العقلاء يذمون المظلوم إذا ذمه بعد ذلك .
والجواب عن الأول : لا نسلم انحصار سقوط العقاب في التوبة ، لجواز
سقوطه بالعفو أو بزيادة الثواب ، سلمنا لكن نمنع عدم اجتماع الاستحقاقين لأن
عقاب الفاسق عندنا منقطع .
وعن الثاني : بالمنع من قبح الذم ، سلمنا لكن نمنع المساواة بين الشاهد
والغائب .
وأما المرجئة فقد احتجوا بأنه لو وجب سقوط العقاب لكان إما لوجوب
قبولها أو لكثرة ثوابها ، والقسمان باطلان :
أما الأول فلأن من أساء إلى غيره بأنواع الإساءات وأعظمها كقتل الأولاد
ونهب الأموال ثم اعتذر إليه فإنه لا يجب قبول عذره .
وأما الثاني فلما بينا من إبطال التحابط .
المسألة الثالثة عشرة : في باقي المباحث المتعلقة بالتوبة
قال : والعقاب يسقط بها ( 1 ) لا بكثرة ثوابها ، لأنها قد تقع محبطة ، ولولاه لا
يبقى الفرق بين التقدم والتأخر ، ولا اختصاص ، ولا تقبل في الآخرة لانتفاء
الشرط .
هامش
( 1 ) المسألة مركزة على أن التوبة بنفسها إذا كانت جامعة للشرائط تسقط العقاب أو أنها تورث كثرة
الثواب وبها يسقط العقاب ، واختار المصنف الوجه الأول واستدل عليه بأمور أربعة :
أ - أنها قد تقع محبطة ، المقصود من " محبطة " - بفتح الباء - : التوبة العارية عن الثواب كتوبة الخارج
عن طاعة الإمام ، إذا تاب عن الكذب فتقبل توبته ويسقط العقاب ولكن لا بثوابها لأن الخارجي
محروم عن الثواب ، فلو كانت التوبة مؤثرة بثوابها لزم عدم قبول التوبة في هذه الصورة .
ب - لولاه لما يبقى الفرق بين التقدم والتأخر ، وفي بعض النسخ : ولولاه لانتفى الفرق بين التقدم
والتأخر ، ومقصوده أنه لو كانت التوبة مؤثرة بإثارة كثرة الثواب يجب أن تكون مؤثرة أيضا إذا
وقعت قبل المعصية ، فالثواب المتحصل بالتوبة المتقدمة يزيل عقاب العمل المتأخر . ولا يخفى
ضعف الاستدلال لأن حقيقة التوبة هي الندم عن العمل ، فما معنى الندم قبل العمل ؟
ج - قوله : " ولا اختصاص " ، وفي بعض النسخ : " والاختصاص " ، ولعله الأصح أي انتفى الاختصاص ،
مثلا نفترض أن إنسانا كذب واغتاب ونم فتاب عن الكذب فأثارت ثوابا فلا وجه لإسقاطها عقاب
الأول ، لأن نسبة الثواب إلى الأعمال الثلاثة وعقوباتها سواسية .
د - " ولا تقبل في الآخرة لانتفاء الشرط " جواب عن استدلال الخصم على أن التوبة بإثارتها الثواب
يسقط العقاب ، وحاصل الاستدلال أنها لو كانت بما هي هي مسقطة له فيجب أن تكون مسقطة
في الآخرة ، مع أنها ليست كذلك ، وهذا بخلاف ما إذا قلنا بأنها مسقطة بإثارة الثواب ، فلا تكون
مسقطة ، لأن الثواب والعقاب راجعان إلى دار التكليف وليست إلا الدنيا وأما الجواب فواضح .