قال : ولا بد من المناسبة وإلا ترجح بلا مرجح بالنسبة إلى المنتسبين .
أقول : لما فرغ من الاعتراضات على وجوب اللطف شرع في ذكر
أحكامه ، وقد ذكر منها خمسة :
الأول : أنه لا بد وأن يكون بين اللطف والملطوف فيه مناسبة .
والمراد بالمناسبة هنا كون اللطف بحيث يكون حصوله داعيا إلى حصول
الملطوف فيه ، وهذا ظاهر ، لأنه لولا ذلك لم يكن كونه لطفا أولى من كون غيره
لطفا ، فيلزم الترجيح من غير مرجح ( 1 ) ، ولم يكن كونه لطفا في هذا
هامش
( 1 ) حاصله : أنه إذا افترضنا أن الغنى والفقر كانا لطفا في دعوة المكلف إلى الصلاة ، فلو اختار
سبحانه الأول يلزم الترجيح بلا مرجح .
ثم إذا لم تكن المناسبة معتبرة فلماذا صار الغنى لطفا في حق هذا الفعل ( الصلاة ) ولم يكن لطفا في
حق الفعل الآخر ( الحج ) وهو أيضا ترجيح من غير مرجح ، فلا محيص عن اعتبار المناسبة ، ولعله
إلى ذلك يشير قوله سبحانه : ( وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ) ( الأعراف : 168 ) .
وقوله تعالى : * ( فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ) * ( الأنعام : 42 ) .
ثم إن الماتن ذكر الشروط الباقية وهي أربعة :
1 - أن لا يبلغ حد الإلجاء ، وأكثر من اعترض على قاعدة اللطف كصاحب المواقف ، غفل عن هذا
الشرط ولو التفت هو أو غيره إلى هذا الشرط ، لما سلوا سيوفهم عن أغمادها .
2 - أن يعلم المكلف بوجود اللطف إجمالا أو تفصيلا لأنه إنما يدعو إلى الطاعة بوجوده العلمي لا
بوجوده الواقعي فقط وإن لم يقف عليه المكلف ، كما إذا وقف حابس الزكاة على أن المرض
الشائع في القطيعة ، تنبيه من الله وعندئذ يقرب الالتفات من الطاعة ، ويؤدي الفريضة .
3 - أن يكون فيه وراء الحسن ، أمر آخر هو ملاك اللطفية ، وإلا فالمباح بما هو حسن لا يكون لطفا ، لكن
يمكن أن يقال : إن وجود المباحات الكثيرة التي وسعت الحياة للعباد ، وجعلتهم في يسر ورفق ،
لطف من الله ومقرب لدخول الناس في دين الإسلام ولولاه ، لما دخل أكثرهم فيه ، والحسن عبارة
عما ليس بقبيح فيشمل المباحات ولا يشترط وراء الحسن شئ زائد .
4 - اللطف يدخله التخيير كما في الكفارات المخيرة .
5 - اللطف يجب أن يكون حسنا بالذات ، فلا يمكن عد تسلط الظالم على العباد لطفا من الله وإن كان
يترتب عليه التوجه إلى الله سبحانه وذلك لأن تسلطه عليهم نتيجة أعمالهم ( ذلك بما قدمت
أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد ) ( الأنفال / 51 ) .