الخطيب في " الكفاية " ص 89 . فهما من حيث العدد اثنان ، ومن حيث الوصف ثقتان ، ومشى على
هذا المتأخرون ، ولا يكسبه ذلك عدالة عندهم .
لكن للأئمة المتقدمين الآخرين مذاهب أخرى مختلفة متعددة ، لا بد من ملاحظتها واعتبارها ، ومن
الخطأ الكبير فهم كلامهم وتنزيل أقوالهم وأحكامهم على الرواة ، على وفق ما اعتمده المتأخرون من كلام
إمام واحد من المتقدمين ، هو الإمام الذهلي ، مع أن الواحد منهم قد تختلف إطلاقاته من راو إلى آخر ،
وهذا العلم كله علم ( مصطلح ) فلا بد من الوقوف على مصطلحات كل إمام على حدة ، وتنزيل أقواله على
وفقها .
وللحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى مقولة جيدة في " شرح علل الترمذي " 1 : 81 - 85 في شرح
مذاهب عدد من المتقدمين في إطلاق الجهالة ، ومن الضروري الرجوع إليها ، وتتبع آخر يضاف إليها ،
ليحصل شبه استقراء لمصطلحاتهم في هذه الكلمة .
ومما قاله ابن رجب - واستحسنه - : ما حكاه يعقوب بن شيبة ، عن يحيى بن معين ، قال له يعقوب : " متى
يكون الرجل معروفا ؟ إذا روى عنه كم ؟ قال : إذا روى عن الرجل ابن سيرين والشعبي ، وهؤلاء أهل العلم ، فهو
غير مجهول . قلت : فإذا روى عن الرجل مثل سماك بن حرب وأبي إسحاق ؟ قال : هؤلاء يروون عن مجهولين " .
فأفاد أن رواية اثنين ممن ينتقي الرجال عن راو : ترفع عنه الجهالة ، كابن سيرين والشعبي ، أما من
يروي دون انتقاء : فلا ، لذا قال ابن رجب : " وهذا تفصيل حسن ، وهو يخالف إطلاق محمد بن يحيى
الذهلي الذي تبعه عليه المتأخرون " .
على أن ابن معين قد يوثق من لم يرو عنه إلا رجل واحد ، كما تقدم نقله عنه قريبا ص 46 أول فقرة
25 ، وهذا ليس من قبيل التعارض ، بل هو من باب اعتبار القرائن ، فمن روى عنه واحد وشهدت القرائن
عند ابن معين وغيره أنه ثقة : وثقوه ، ومن ليس كذلك : وقفوا عند ظاهر أمره : فمن روى عنه واحد فقط ،
قالوا : مجهول العين ، ومن روى عنه اثنان فأكثر - كل حسب اصطلاحه واعتباره - قالوا : معروف العين
مجهول العدالة ، وهكذا . . .
ثم ذكر ابن رجب أمثلة على المجهول والمعروف عند ابن المديني ( 1 ) وأبي حاتم وأحمد ، واستظهر أخيرا :
" أنه لا عبرة بتعدد الرواة ، وإنما العبرة بالشهرة ورواية الحفاظ الثقات " .
ورواية الحفاظ الثقات : تنفع المجهول ، لكنها لا تجعله ثقة : عدلا ضابطا ، وقد تقدم ص 31 ما جاء
في " فتح المغيث " 1 : 298 أن " كثرة رواية الثقات عن الشخص تقوي أمره " ، وأزيد هنا ما جاء في " الجرح
والتعديل 2 : 36 تحت " باب في رواية الثقة عن غير المطعون عليه أنها تقويه ، وعن المطعون عليه أنها لا
تقويه " . قال ابن أبي حاتم : " سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة ، مما يقويه ؟ قال : إذا كان
معروفا بالضعف لم تقوه روايته عنه ، وإذا كان مجهولا نفعه رواية الثقة عنه . وقال : سألت أبا زرعة عن رواية
الثقات عن رجل ، مما يقوي حديثه ؟ قال : إي لعمري ، قلت : الكلبي روى عنه الثوري ! قال : إنما ذلك إذا
الكاشف في معرفة من له رواية في كتب الستة — صفحة 49
مساهمون: الذهبي
ص٤٩