الدرس الكبير
أحدث انقسام الأمة بفعل بنى أمية أثره في الفقه . وليس كلام بعض
المسلمين في أفراد من الصحابة إلا أثر من آثار هذا الانقسام . ومن الطبيعي
ألا تمتنع الألسنة عما لم تمتنع عنه الأسلحة . وأن تستمر معارك الكلام وإن
توقفت رحى الحرب .
شق أهل الشام عصا الطاعة لأمير المؤمنين منذ استخلف . وانتهت يوم
" وقعة الجمل " فتنة عمياء فيومئذ قال محمد بن الحنفية وهو يحمل الراية :
هذه والله الفتنة الكاملة العمياء . وناداه أمير المؤمنين ( هل عندك في جيش ،
مقدمه أبوك ، شئ ! ) . ونفر البطل للقاء أهل الشام في صفين . ورفع جيش معاوية المصاحف .
ثم كانت خدعة التحكيم وخروج الخوارج وهزيمتهم . ولكنهم ظلوا يمثلون
التعصب العميق لفكر لم يتمرس بالسياسة وتبعات القيادة وحقن الدماء .
فلاموا عليا لقبوله التحكيم مع معاوية ( 1 ) . وعندئذ لم يوالوا عليا ولا من والاه -
لكن الدولة لم تؤل إليهم ، ولهذا قل أثرهم في الاتجاه العام للأمة .
وإنما الذي أحدث أثره العظيم في الأمة خلاف معاوية . إذ ولى الحكم
وألزم ولاته بالطعن في علي . والتنكيل بمن والاه . ونظرت العامة إلى مصلحتها العاجلة
في توقى الشرور من السلطة . ونظر المتفقهون - ومعهم جمهور الأمة -
هامش
( 1 ) كفروا على لقبوله التحكيم ورأوا أن الخلافة لابد لها من بيعة الجمهور . وأنها
لا تنحصر في بيت معين وبرئوا من على وعثمان ومعاوية . الأول لقبوله التحكيم والثاني لمخالفة
سياسة الشيخين أبى بكر وعمر والثالث لاستيلائه على الأمر بالقوة . . يأخذون بظاهر العبارة
من القرآن . ولا يأخذون من السنة إلا ما يرويه من يتولونهم . وعمدتهم في ذلك الأحاديث
المروية على عهد الشيخين . وكل من تعدى حدود الله عندهم فاسق . ولذلك عدوا أشياع معاوية
والذين لم يتبرأوا من علي وعثمان - وهؤلاء جمهور الأمة - خارجين على الإسلام واستحلوا ما لهم
وقتلهم ، وبهذا نفر الناس منهم .