إنما كان مالك يجد ريح الرسول في مجلس ابن بنته . . ويحس ، أو يكاد
يلمس ، شيئا ماديا ، يتسلسل من الجد لحفيده ، وأشياء غير مادية تملك
اللب والقلب : فالرؤية متعة والسماع نعمة . والجوار - مجرد الجوار -
تأديب وتربيب . . وفي كل أولئك طرائق قاصدة إلى الجنة .
وصاحب المجلس طهر كله . لا يتحدث عن جده إلا على الطهارة .
يقول ( الوضوء شطر الإيمان ) ومن أجل ذلك لم يعد الوضوء عنده أو في مذهبه ، مجرد وسيلة لغيره - أي للصلاة - بل أمسى مستحبا لذاته كالصلاة
المستحبة . يتهيأ به المتوضئ لدخول المساجد ، وقراءة القرآن ، بل الزوجان
ليلة زفافهما ، والمسافر إلى أهله . . والقاضي ليجلس للقضاء ، والإمام
الذي يفتى أو يعلم .
وما هو بدع أن يشغف به مالك - وهو الأموي بهواه - فإنما هو حب
الرسول وأهل بيته . فحبهم إيمان . وما كان تعبير مالك إلا حبا ، وهو
- بعد - التلميذ النجيب لفقهاء بنى تيم ( قبيلة أبى بكر ) سواء كانوا من مواليهم -
كربيعة الرأي - أو من أنفسهم كمحمد بن المنكدر ، أو أمهم منهم ، كالإمام
جعفر .
وأبو بكر الصديق يقف في قمة التاريخ العلمي لمصادر مالك باتباعه
واجتهاده وأبنائه وبنى تيم . .
تعلم مالك الكثير من السلوك على الإمام جعفر فكان إذا حدث لا يحدث
إلا على الطهارة . ويحمى مجلسه ممن يخرجونه عن قصده . كما يكرم تلامذته .
بل صار إماما لليسر الذي تتمثل فيه خصائص المدينة . وأمسى عنوانا على
العلم : فإذا خاصم السلطة خاصمها من أجل النزاهة العلمية فحسب . وفي
منهجه الاحتفال الكامل بالواقع . وفي طريقته العمل للرزق ، حتى لا يحتاج
لأحد ، مما يعبر عن اقتداء كامل بالإمام الصادق .
وكهيئة الإمام الصادق ، لم يجار فقهاء العراق في قولهم أرأيت أرأيت .
أي افتراض الفروض واستباق الحوادث وإبداء الرأي فيما لم يحدث حتى
سماهم خصومهم ( الأرأيتيين ) .
الإمام جعفر الصادق ( ع ) — صفحة 160
مساهمون: عبد الحليم الجندي
ص١٦٠