بلغ الإمام الصادق بمسالمته للمنصور بعض آماله لأهل بيته ، بقية أيام
حياته ، بل طوال خلافة أبى جعفر المنصور . فكان ميمون النقيبة بالسلام
الذي نشده ، والأمان الذي دعا له ، وأطال زمانه . ومنع كثيرا من الطغيان
الذي طالما شكاه أبوه ، على ما سيروي ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة -
( ثم لم نزل أهل البيت نستذل ونستضام ، ونقصي ونمتهن ونحرم ونقتل .
ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا . ووجد الكاذبون والجاحدون لكذبهم
وجحودهم موضعا . . . فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذبة ورووا عنا ما
لم نقله وما لم نفعله ليبغضونا إلى الناس . وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية
بعد موت الحسن . فقتلت شيعتنا بكل بلدة . وقطعت الأيدي والأرجل
على الظنة . ومن يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سبحن أو نهب ماله أو هدمت
داره . ثم لم يزل اللاء يزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين . ثم
جاء الحجاج ( 1 ) فقتلهم كل قتلة وأخذهم بكل ظنة وتهمة . حتى أن الرجل
يقال له زنديق أحب إليه من أن يقال شيعة على ) .
وفي عصر الباقر كان الحسن البصري ( 110 ) الجسور ( قاضي عمر بن
عبد العزيز وشيخه الذي لا يهاب الخلفاء ) إذا روى عن أمير المؤمنين على
قال ( قال أبو زينب ) ليخفى الاسم الذي لا خفاء له ! .
بل كان الشعبي ( 104 ) شيخ المحدثين بالعراق يقول ( ماذا لقينا من
آل علي إذا أحببناهم قتلنا وإذا أبغضناهم دخلنا النار ) .
وكان طبيعيا في دولة " هرقلية " أن يكون همها الملك لا الدين ، تعاقب من
تتوهم خطره عليها وتترك من تزندق ، أن تزداد الاستهانة بالدين في مقابل
السلام الذي تنشده الدولة ، والبلهنية التي يؤثرها دعاة الدعة . بدأ ذلك
من عهد معاوية وسيستمر استمرار فساد الدولة . وستستبقيه لتصرف الناس
عن الاهتمام بأهل بيت النبي ، أو توقع بهم لفرطات تفرط من أحدهم ، أو تعزى
كذبا إليهم ، منتهزة للفرص حينا ، أو مفتعلة لها في أغلب الأحيان .
هامش
( 1 ) أطلق الخليفة سليمان بن عبد الملك من سجون الحجاج في يوم واحد ثمانين ألفا . منهم
ثلاثون ألفا بغير ذبن . ومنهم ثلاثون ألف امرأة .