فصل
تفاوت المؤمنين في محبة الله
إعلم أن المؤمنين جميعا مشتركون في أصل محبة الله لاشتراكهم في أصل
الإيمان ، ولكنهم متفاوتون في قدرها ، وسبب تفاوتهم أمران :
أحدهما - اختلافهم في المعرفة وحب الدنيا فإن أكثر الناس ليس لهم
من معرفة الله إلا ما قرع أسماعهم من كونه متصفا بصفات كذا وكذا ،
من دون وصول إلى حقيقة معناها ، وإلى اعتقادهم بأن الموجودات المشاهدة
صادرة عنه ، من غير تدبر في عجائب القدرة وغرائب الحكمة المودعة فيها .
وأما العارفون : فلهم الخوض في بحر التفكر والتدبر في أنواع المخلوقات ،
واستخراج ما فيها من الحكم الخفية ، والمصالح العجيبة ، التي كل واحد منها
كمشعلة في إزالة ظلمة الجهل ، والهداية إلى كمال عظمة الله ، ونهاية جلاله
وكبريائه ، فمثل الأكثرين كمثل عامي أحب عالما بمجرد استماعه أنه حسن
التصنيف ، من دون علم ودراية بما في تصانيفه ، فتكون له معرفة مجملة
ويكون له بحسنه ميل مجمل ، ومثل العارفين كمثل عالم فتش عن تصانيفه
وأطمع على ما فيها من دقائق المعاني وبلاغة العبارات . ولا ريب في أن العالم
بجملته صنع الله وتصنيفه ، فمن عرف ذلك مجملا تكون له بحسبه محبة
مجملة ، ومن وقف على ما فيه من عجائب القدرة ودقائق الحكمة تكون
له غاية الحب ، وكلما ازدادت معرفته بوجوه الحكم والمصالح المودعة في كل
مخلوق ازداد حبه فمن اعتقد أن ما تبنيه النحل من البيوت المسدسة إنما
هو بإلهام الله - تعالى - إياها ، من غير استعداد لفهم الحكمة في اختيار
الشكل المسدس على سائر الأشكال ، لا يكون في معرفة الله وإدراك عظمته
وحكمته كمن يفهم ذلك ويتيقنه . ثم ، كما إن دقائق الحكم وعجائب
القدرة غير متناهية ، ولا يمكن لأحد أن يحيط بها ، وإنما ينتهي كل إلى
ما يستعد له ، فينبغي أن تكون مراتب الحب أيضا غير متناهية ، وكل عبد
ينتهي إلى مرتبة تقتضيها معرفته .
وثانيهما - اختلافهم في الأسباب المذكورة للحب ، فإن من يحب الله
لكونه منعما عليه ومحسنا إليه ، ضعفت محبته لتغيرها بتغير الإنعام والاحسان