والديدان والهمج من الحيوان ، وإنما يشابه الملائكة في البصيرة الباطنة
والأخلاق الفاضلة ، وكيف يرتضي العاقل أن يجعل النفس الناطقة الشريفة
خادمة للنفس البهيمية الخسيسة .
والعجب من هؤلاء الجماعة ( 38 ) مع هذا الاعتقاد يعظمون من يتنزه
عن الشهوات الحيوانية ويستهين باللذات الحسية ويتخضعون له ويعدون
أنفسهم أشقياء بالنسبة إليه ، ويذعنون أنه أقرب الناس إلى الله سبحانه وأعلى
رتبة منهم بتنزهه عن الشهوات الطبيعية ، وقد اتفق كلهم على تنزه مبدع
الكل وتعاليه عنها مستدلين بلزوم النقص فيه لولاه ، وكل ذلك يناقض رأيهم
الأول .
والسر فيه أنهم وإن ذهبوا إلى هذا الرأي الفاسد إلا أنه لما كانت غريزة
العقل فيهم بعد موجودة ، وإن كانت ضعيفة ، فيرى ما هو كمال حقيقي
لجوهرها كمالا ، ويحكم بنورانيتها الذاتية ، على كون ما هو فضيلة في
الواقع فضيلة ، وما هو رذيلة في نفس الأمر رذيلة ، فيضطرهم إلى إكرام
أهل التنزه عن الشهوات ، والاستهانة بالمكبين عليها .
ومما يدل على قبح اللذات الحيوانية أن أهلها يكتمونها ويحفون
ارتكابها ويستحيون عن إظهارها ، وإذا وصفوا بذلك تتغير وجوههم ، كما
هو ظاهر من وصف الرجل بكثرة الأكل والجماع ، مع أن الجميل على
الإطلاق يحسن إذاعته ، وصاحبه يحب أن يظهره ويوصف به . هذا مع أن
البديهة حاكمة بأن هذه اللذات ليست لذات حقيقية ، بل هي دفع آلام حادثة
للبدن ( 39 ) فإن ما يتخيل لذة عند الأكل والجماع إنما هو راحة من ألم
الجوع ولذع المني ولذا لا يلتذ الشبعان من الأكل ، ومعلوم أن الراحة من
الألم ليس كمالا وخيرا ، إذ الكمال الحقيقي والخير المطلق ما يكون كمالا
وخيرا أبدا .
هامش
( 38 ) المراد هم الذين حضروا اللذات في الحسية والكلام كله في هذا الرأي .
( 39 ) الحق أن كل لذة بدنية ونفسية إنما هي إشباع شهوة أو غريزة
تتطلب الإشباع ، حتى طلب المعارف والعلم إنما هو لإشباع غريزة حب الاستطلاع
إلا أن طلب العلم لا يصل إلى حد الإشباع أبدا ، ولذا قال صلى الله عليه وآله
وسلم : " منهومان لا يشبعان طالب علم ، وطالب مال " وليست كذلك الغريزة
الجنسية وغريزة حب الأكل وأمثالهما فإنها تصل إلى حد الإشباع فتكتفي .