الباب الخامس والخمسون
فيما كان ( بصفين ) من تحكيم الحكمين
وما كان منهما بعد ذلك
قال أبو الحسن ( المدائني ) : لما كان يوم الهرير وهو أعظم يوم بصفين زحف أهل العراق
إلى أهل الشام فأزالوهم عن مراكزهم حتى انتهوا إلى سرداق معاوية فدعا بالفرس وهم
بالهزيمة ( ثم ) التفت إلى عمرو بن العاصي فقال : ما عندك ( لمثل هذه الساعة ) ؟ قال : تأمر
بالمصاحف فترفع في أطراف الرماح ويقال : هذا كتاب الله بيننا وبينكم . ففعل ( معاوية
ذلك ) .
فلما نظر أهل العراق إلى المصاحف اختلفوا فقال بعضهم نحاكمهم إلى كتاب الله
. وقال بعضهم : لا نحاكمهم لأنها على الحق واليقين من أمرنا ولسنا على شك ثم
اجتمع أمرهم على التحكيم فهم ( علي ) أن يقدم أبا الأسود الدؤلي فأبى الناس عليه ! ! !
فقال له ابن عباس : اجعلني أحد الحكمين فوالله لأفتلن ( لك ) حبلا لا ينقطع وسطه
ولا ينثر طرفاه . ( ف ) قال له علي : لست من كيدك وكيد معاوية في شئ ( 1 ) ولا أعطيه إلا
السيف حتى يغلب الحق . قال ( و ) هو والله لا يعطيك إلا السيف حتى يعطيك الباطل ( 2 )
قال : وكيف ذلك ؟ قال : لأنك تطاع اليوم وتعصى غدا وهو يطاع ولا يعصى .
فلما انتشر على علي أصحابه قال : لله ( در ) ابن عباس إنه لينظر / 81 / ب / ( إلى )
الغيب من ستر رقيق ( 3 )
هامش
( 1 ) ومثله في عنوان : " أمر الحكمين " من حوادث وقعة صفين من الطبعة الأزهرية من كتاب العقد
الفريد : ج 3 ص 114 .
ولم يعلم من أين أخذ ابن عبد ربه هذا المطلب الضعيف المعارض لما جاء في كثير من المصادر
( 2 ) كذا في أصلي ، وفي الطبعة الأزهرية من العقد الفريد : " حتى يغلبك الباطل ؟ " .
هذا خلاف ما جاء في المصادر الموثوقة ، وما أدري من أين أخذ المؤلف هذا المطلب ، والذي جاء في
مصادر عديدة : أنه لما اتفق جمهور جند العراق على قبول التحكيم وأكرهوا أمير المؤمنين عليه السلام
على قبوله ، أراد عليه السلام أن يجعل ابن عباس حكما ولكن الأشعث وعشيرته والخوارج أبوا عليه
ذلك ، فأراد أن يختار الأشتر للحكومة ، فأبى عليه الأشعث ومن على شاكلته .
( 3 ) هذا تقول على أمير المؤمنين عليه السلام فإنه كان ينظر إلى الغيب بلا ستار ، كما قال عليه السلام : "
لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا " .
وابن عباس وغيره إن كان عندهم شئ من علم الحقائق والاسرار ، فهم عياله في ذلك ، كما يدل على
ذلك قول ابن عباس : علمي بالنسبة إلى علم علي كالقرارة في البحر المثعنجر . هذا أو قريب منه ،
وببالي أن الحديث مذكور في مادة " ثعجر " من كتاب لسان العرب والقاموس وتاج العروس : ج 3 ص 75 .