قلت : هذا الرد لا يكفي قد يكون إسناد الحديث المخالف لحديث البخاري
أصح وأقوى من سند البخاري ، فلا يتم ترجيح حديث التمار إلا ببيان علة حديث
القاسم أو على الأقل بيان إنه دونه في الصحة ، وهو الواقع هنا فإن علته عمرو بن عثمان
ابن هانئ ، وهو مستور كما قال الحافظ في " التقريب " ولم يوثقه أحد البتة : فتصحيح
الحاكم لحديثه من تساهله المعروف ، ومتابعة الذهبي له من أوهامه الكثيرة التي لا تخفى
على من تتبع كلامه في " تلخيص المستدرك " .
ثم إنه لو صح فليس معارضا لحديث التمار لان قوله " مبطوح " ليس معناه مسطح
بل ملقى فيه البطحاء وهو الحصى الصغيرة كما في " النهاية " ، وهو ظاهر في الخبر
نفسه : " مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء فهذا لا ينافي التسنيم ، وبهذا جمع ابن القيم
بين الحديثين فقال في " الزاد " :
" وقبره مسنم مبطوح ببطحاء العرصة ، الحمراء ، لا مبني ولا مطين ، وهكذا كان
قبر صاحبيه " .
الثالث : أن يعلمه بحجر أو نحوه ليدفن إليه من يموت من أهله ، لحديث المطلب
ابن أبي وادعة رضي الله عنه قال :
" لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته فدفن ، أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا أن يأتيه
بحجر فلم يستطع حمله ، فقام إلهيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسر عن ذراعيه ، قال المطلب :
قال الذي يخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين
حسر عنهما ، ثم حملها فوضعها عند رأسه ، وقال : أتعلم بها قبر أخي ، وأدفن إليه
من مات من أهلي " .
أخرجه أبو داود ( 2 / 69 ) وعنه البيهقي ( 3 / 412 ) بسند حسن كما قال الحافظ
( 5 / 229 ) ، والمطلب صحابي معروف أسلم يوم الفتح .
وله شاهدان ذكرتهما في " التعليقات الجياد " .
الرابع : أن لا يلقن الميت التلقين المعروف لا يوم ، لان الحديث الوارد فيه لا يصح ( 1 )
هامش
( 1 ) وكذا قال ابن القيم في " زاد المعاد " ( 1 / 206 ) ، وضعفه النووي وغيره كما ذكرته في " التعليقات
الجياد " ، وقال الصنعاني في " سبل السلام " ( 2 - 161 ) : ثم حققت القول فيه في " سلسلة الأحاديث الضعيفة " ( 599 )
" ويحتمل من كلام أئمة لا تحقيق أنه حديث ضعيف ، والعمل به بدعة ، ولا يغتر بكثرة من يفعله " .
ويعجبني منه قوله : " والعمل به بدعة " ، وهذه حقيقة طالما ذهل عنها العلماء ، فإنهم يشرعون بمثل هذا الحديث
كثيرا من الأمور ويستحبونها اعتمادا منهم على قاعدة " يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الاعمال " ولم يتنبهوا
إلى أن محلها فيما ثبت بالكتاب والسنة مشروعيته وليس بمجرد الحديث الضعيف ، وقد سبق لهذا مثال في التعليق
( ص 153 ) . وأذكر إن للامام الشاطبي في " الموافقات " كلاما جيدا حول هذه القاعدة فليراجع .