يقول تعالى ذكره : فالذي وصفت أمره ، وهو الذي أوتي كتابه بيمينه ، في عيشة
مرضية ، أو عيشة فيها الرضا ، فوصفت العيشة بالرضا وهي مرضية ، لان ذلك مدح للعيشة ،
والعرب تفعل ذلك في المدح والذم فتقول : هذا ليل نائم ، وسر كاتم ، وماء دافق ،
فيوجهون الفعل إليه ، وهو في الأصل مفعول لما يراد من المدح أو الذم ، ومن قال ذلك لم
يجز له أن يقول للضارب مضروب ، ولا للمضروب ضارب ، لأنه لا مدح فيه ولا ذم .
وقوله : في جنة عالية يقول : في بستان عال رفيع ، وفي من قوله في جنة
من صلة عيشة . وقوله : قطوفها دانية يقول : ما يقطف من الجنة من ثمارها دان قريب
من قاطفه .
وذكر أن الذي يريد ثمرها يتناوله كيف شاء قائما وقاعدا ، لا يمنعه منه بعد ، ولا
يحول بينه وبينه شوك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
26984 - حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي
إسحاق ، قال : سمعت البراء يقول في هذه الآية قطوفها دانية قال : يتناول الرجل من
فواكهها وهو نائم .
26985 - حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : قطوفها
دانية : دنت فلا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك .
وقوله : وكلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية يقول لهم ربهم جل
ثناؤه : كلوا معشر من رضيت عنه ، فأدخلته جنتي من ثمارها ، وطيب ما فيها من الأطعمة ،
واشربوا من أشربتها ، هنيئا لكم لا تتأذون بما تأكلون ، ولا بما تشربون ، ولا تحتاجون
من أكل ذلك إلى غائط ولا بول بما أسلفتم في الأيام الخالية يقول : كلوا واشربوا هنيئا :
جزاء من الله لكم ، وثوابا بما أسلفتم ، أو على ما أسلفتم : أي على ما قد متم في دنياكم
لآخرتكم من العمل بطاعة الله في الأيام الخالية ، يقول : في أيام الدنيا التي خلت فمضت .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
26986 - حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال الله كلوا
واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية إن أيامكم هذه أيام خالية : هي أيام فانية ، تؤدي
إلى أيام باقية ، فاعملوا في هذه الأيام ، وقدموا فيها خيرا إن استطعتم ، ولا قوة إلا بالله .
26987 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 76
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٧٦