يعني تعالى ذكره : ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في أموالكم ولا في أنفسكم ، إلا
في كتاب قد كتب ذلك فيه من قبل أن نخلق نفوسكم لكيلا تأسوا يقول : لكيلا تحزنوا
على ما فاتكم من الدنيا ، فلم تدركوه منها ولا تفرحوا بما آتاكم منها .
ومعنى قوله : بما آتاكم إذا مدت الألف منها : بالذي أعطاكم منها ربكم وملككم
وخولكم وإذا قصرت الألف ، فمعناها : بالذي جاءكم منها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال
أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
26070 - [ رق حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن
عباس لكيلا تأسوا على ما فاتكم من الدنيا ولا تفرحوا بما آتاكم منها .
26071 - [ رق حدثت عن الحسين بن يزيد الطحان ، قال : ثنا إسحاق بن منصور ، عن
قيس ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس لكيلا تأسوا على ما فاتكم قال : الصبر
عند المصيبة ، والشكر عند النعمة .
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن سماك البكري ، عن
عكرمة ، عن ابن عباس لكيلا تأسوا على ما فاتكم قال : ليس أحد إلا يحزن ويفرح ،
ولكن من أصابته مصيبة فجعلها صبرا ، ومن أصابه خير فجعله شكرا .
26072 - [ رق حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله
عز وجل : لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم قال : لا تأسوا على ما فاتكم
من الدنيا ، ولا تفرحوا بما آتاكم منها .
واختلفت القراء في قراءة قوله : بما آتاكم فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والكوفة
بما آتاكم بمد الألف . وقرأه بعض قراء البصرة بما أتاكم بقصر الألف وكأن من قرأ
ذلك بقصر الألف اختار قراءته كذلك ، إذ كان الذي قبله على ما فاتكم ، ولم يكن على ما
أفاتكم ، فيرد الفعل إلى الله ، فألحق قوله : بما أتاكم به ، ولم يرده إلى أنه خبر عن الله .
والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان صحيح معناهما ، فبأيتهما قرأ القارئ
فمصيب ، وإن كنت أختار مد الألف لكثرة قارئي ذلك كذلك ، وليس للذي اعتل به منه
معتلو قارئيه بقصر الألف كبير معنى ، لان ما جعل من ذلك خبرا عن الله ، وما صرف منه إلى
الخبر عن غيره ، فغير خارج جميعه عند سامعيه من أهل العلم أنه من فعل الله تعالى ،
فالفائت من الدنيا من فاته منها شئ ، والمدرك منها ما أدرك عن تقدم الله عز وجل وقضائه ،
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 305
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٣٠٥