ونسرا ، ومن ذهب به إلى هذا التأويل ، كانت من الله ، كأنه قيل : عوقبوا لله ولكفرهم
به . ولو وجه موجه إلى أنها مراد بها نوح والمؤمنون به كان مذهبا ، فيكون معنى الكلام
حينئذ ، فعلنا ذلك جزاء لنوح ولمن كان معه في الفلك ، كأنه قيل : غرقناهم لنوح
ولصنيعهم بنوح ما صنعوا من كفرهم به . القول في تأويل قوله تعالى :
* ( ولقد تركناها آية فهل من مدكر * فكيف كان عذابي ونذر * ولقد يسرنا
القرآن للذكر فهل من مدكر ) * .
يقول تعالى ذكره : ولقد تركنا السفينة التي حملنا فيها نوحا ومن كان معه آية ، يعني
عبرة وعظة لمن بعد قوم نوح من الأمم ليعتبروا ويتعظوا ، فينتهوا عن أن يسلكوا مسلكهم
في الكفر بالله ، وتكذيب رسله ، فيصيبهم مثل ما أصابهم من العقوبة . وبنحو الذي قلنا في
ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
25349 - حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ولقد
تركناها آية فهل من مدكر قال : أبقاها الله بباقردى من أرض الجزيرة ، عبرة وآية ، حتى
نظرت إليها أوائل هذه الأمة نظرا ، وكم من سفينة كانت بعدها قد صارت رمادا .
25350 - حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في
قوله : ولقد تركناها آية قال : ألقى الله سفينة نوح على الجودي حتى أدركها أوائل هذه
الأمة .
25351 - قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن مجاهد ، أن الله حين غرق الأرض ،
جعلت الجبال تشمخ ، فتواضع الجودي ، فرفعه الله على الجبال ، وجعل قرار السفينة عليه .
وقوله : فهل من مدكر يقول : فهل من ذي تذكر يتذكر ما قد فعلنا بهذه الأمة التي
كفرت بربها ، وعصت رسوله نوحا ، وكذبته فيما أتاهم به عن ربهم من النصيحة ، فيعتبر
بهم ، ويحذر أن يحل به من عذاب الله بكفره بربه ، وتكذيبه رسوله محمدا ( ص ) ، مثل الذي
حل بهم ، فيتيب إلى التوبة ، ويراجع الطاعة . وأصل مدكر : مفتعل من ذكر ، اجتمعت فاء
الفعل ، وهي ذال ، وتاء وهي بعد الذال ، فصيرتا دالا مشددة ، وكذلك تفعل العرب فيما كان
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 126
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١٢٦