يقول القائل : لم يجر للبعث ذكر ، فيخبر عن هؤلاء القوم بكفرهم ما دعوا إليه من
ذلك ، فما وجه الخبر عنهم بإنكارهم ما لم يدعوا إليه ، وجوابهم عما لم يسألوا عنه . قيل :
قد اختلف أهل العربية في ذلك ، فنذكر ما قالوا في ذلك ، ثم نتبعه البيان إن شاء الله تعالى ،
فقال في ذلك بعض نحويي البصرة قال : أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد ، لم يذكر أنه
راجع ، وذلك والله أعلم لأنه كان على جواب ، كأنه قيل لهم : إنكم ترجعون ، فقالوا : أئذا
متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد وقال بعض نحويي الكوفة قوله : أئذا متنا وكنا ترابا كلام
لم يظهر قبله ، ما يكون هذا جوابا له ، ولكن معناه مضمر ، إنما كان والله أعلم : ق والقرآن
المجيد لتبعثن بعد الموت ، فقالوا : أئذا كنا ترابا بعثنا ؟ جحدوا البعث ، ثم قالوا : ذلك
رجع بعيد جحدوه أصلا ، قوله : بعيد كما تقول للرجل يخطئ في المسألة ، لقد
ذهبت مذهبا بعيدا من الصواب : أي أخطأت .
والصواب من القول في ذلك عندنا ، أن في هذا الكلام متروكا استغني بدلالة ما ذكر
عليه من ذكره ، وذلك أن الله دل بخبره عن تكذيب هؤلاء المشركين الذين ابتدأ هذه السورة
بالخبر عن تكذيبهم رسوله محمدا ( ص ) بقوله : بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال
الكافرون هذا شئ عجيب على وعيده إياهم على تكذيبهم محمدا ( ص ) ، فكأنه قال لهم :
إذ قالوا منكرين رسالة الله رسوله محمدا ( ص ) هذا شئ عجيب ستعلمون أيها القوم إذا
أنتم بعثتم يوم القيامة ما يكون حالكم في تكذيبكم محمدا ( ص ) ، وإنكاركم نبوته ، فقالوا
مجيبين رسول الله ( ص ) أئذا متنا وكنا ترابا نعلم ذلك ، ونرى ما تعدنا على تكذيبك
ذلك رجع بعيد : أي أن ذلك غير كائن ، ولسنا راجعين أحياء بعد مماتنا ، فاستغني
بدلالة قوله : بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شئ عجيب من
ذكر ما ذكرت من الخبر عن وعيدهم . وفيما :
24628 - حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت
الضحاك يقول قي قوله : أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد قالوا : كيف يحيينا الله ، وقد
صرنا عظاما ورفاتا ، وضللنا في الأرض ، دلالة على صحة ما قلنا من أنهم أنكروا البعث إذا
توعدوا به .
وقوله : قد علمنا ما تنقص الأرض منهم يقول تعالى ذكره : قد علمنا ما تأكل
الأرض من أجسامهم بعد مماتهم ، وعندنا كتاب بما تأكل الأرض وتفني من أجسامهم ،
ولهم كتاب مكتوب مع علمنا بذلك ، حافظ لذلك كله ، وسماه الله تعالى حفيظا ، لأنه لا
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 191
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١٩١