وقال آخرون : بل عنى أن فؤادها أصبح فارغا من الوحي الذي كان الله أوحاه إليها ، إذ
أمرها أن تلقيه في اليم فقال ولا تخافي ولا تحزني ، إنا رادوه إليك ، وجاعلوه من
المرسلين قال : فحزنت ونسيت عهد الله إليها ، فقال الله عز وجل وأصبح فؤاد أم موسى
فارغا من وحينا الذي أوحيناه إليها . ذكر من قال ذلك :
20709 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله
وأصبح فؤاد أم موسى فارغا قال : فارغا من الوحي الذي أوحى الله إليها حين أمرها أن
تلقيه في البحر ، ولا تخاف ولا تحزن . قال : فجاءها الشيطان ، فقال : يا أم موسى ، كرهت
أن يقتل فرعون موسى ، فيكون لك أجره وثوابه وتوليت قتله ، فألقيتيه في البحر وغرقتيه ،
فقال الله : وأصبح فؤاد أم موسى فارغا من الوحي الذي أوحاه إليها .
20710 - حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي بكر بن
عبد الله ، قال : ثني الحسن ، قال : أصبح فارغا من العهد الذي عهدنا إليها ، والوعد الذي
وعدناها أن نرد عليها ابنها ، فنسيت ذلك كله ، حتى كادت أن تبدي به لولا أن ربطنا على
قلبها .
20711 - حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : قال ابن إسحاق : قد كانت أم
موسى ترفع له حين قذفته في البحر ، هل تسمع له بذكر ، حتى أتاها الخبر بأن فرعون أصاب
الغداة صبيا في النيل في التابوت ، فعرفت الصفة ، ورأت أنه وقع في يدي عدوه الذي فرت
به منه ، وأصبح فؤادها فارغا من عهد الله إليها فيه قد أنساها عظيم البلاء ما كان من العهد
عندها من الله فيه . وقال بعض أهل المعرفة بكلام العرب : معنى ذلك : وأصبح فؤاد أم
موسى فارغا من الحزن ، لعلمها بأنه لم يغرق . قال : وهو من قولهم : دم فرغ : أي لا قود
ولا دية وهذا قول لا معنى له لخلافه قول جميع أهل التأويل .
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال : معناه :
وأصبح فؤاد أم موسى فارغا من كل شئ إلا من هم موسى .
وإنما قلنا : ذلك أولى الأقوال فيه بالصواب لدلالة قوله : إن كادت لتبدى به لولا أن
ربطنا على قلبها ولو كان عنى بذلك : فراغ قلبها من الوحي لم يعقب بقوله : إن كادت
لتبدي به لأنها إن كانت قاربت أن تبدي الوحي ، فلم تكد أن تبديه إلا لكثرة ذكرها إياه ،
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 45
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٤٥