أجعل بينكم وبينهم ردما أعدوا إلي الصخور والحديد والنحاس حتى أرتاد بلادهم ،
وأعلم علمهم ، وأقيس ما بين جبليهم .
ثم انطلق يؤمهم حتى دفع إليهم وتوسط بلادهم ، فوجدهم على مقدار واحد ، ذكرهم
وأنثاهم ، مبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منا ، لهم مخالب في موضع
الأظفار من أيدينا ، وأضراس وأنياب كأضراس السباع وأنيابها ، وأحناك كأحناك الإبل قوة
تسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرة من الإبل ، أو كقضم الفحل المسن ، أو الفرس
القوي ، وهم هلب ، عليهم من الشعر في أجسادهم ما يواريهم ، وما يتقون به الحر
والبرد إذا أصابهم ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان : إحداهما وبرة ظهرها وبطنها ،
والأخرى زغبة ظهرها وبطنها ، تسعانه إذا لبسهما ، يلتحف إحداهما ، ويفترش الأخرى ،
ويصيف في إحداهما ، ويشتى في الأخرى ، وليس منهم ذكر ولا أنثى إلا وقد عرف أجله
الذي يموت فيه ، ومنقطع عمره ، وذلك أنه لا يموت ميت من ذكورهم حتى يخرج من صلبه
ألف ولد ، ولا تموت الأنثى حتى يخرج من رحمها ألف ولد ، فإذا كان ذلك أيقن بالموت ،
وهم يرزقون التنين أيام الربيع ، ويستمطرونه إذا تحينوه كما نستمطر الغيث لحينه ، فيقذفون
منه كل سنة بواحد ، فيأكلونه عامهم كله إلى مثله من العام القابل ، فيغنيهم على كثرتهم
ونمائهم ، فإذا أمطروا وأخصبوا وعاشوا وسمنوا ، ورؤي أثره عليهم ، فدرت عليهم
الإناث ، وشبقت منهم الرجال الذكور ، وإذا أخطأهم هزلوا وأجدبوا ، وجفرت الذكور ،
وحالت الإناث ، وتبين أثر ذلك عليهم ، وهم يتداعون تداعي الحمام ، ويعوون عواء
الكلاب ، ويتسافدون حيث التقوا تسافد البهائم .
فلما عاين ذلك منهم ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين ، فقاس ما بينهما وهو
في منقطع أرض الترك مما يلي مشرق الشمس ، فوجد بعد ما بينهما مئة فرسخ فلما أنشأ
في عمله ، حفر له أساسا حتى بلغ الماء ، ثم جعل عرضه خمسين فرسخا ، وجعل حشوه
الصخور ، وطينه النحاس ، يذاب ثم يصب عليه ، فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ،
ثم علاه وشرفه بزبر الحديد والنحاس المذاب ، وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر ، فصار
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 26
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٦