بعيدة هربا منك ؟ ! فلما قالوا ذلك خلى سبيلهم ، وجعل يأتمر ماذا يصنع بالفتية ، فألقى الله
عز وجل في نفسه أن يأمر بالكهف فيسد عليهم كرامة من الله ، أراد يكرمهم ، ويكرم
أجساد الفتية ، فلا يجول ، ولا يطوف بها شئ ، وأراد أن يحييهم ، ويجعلهم آية لامة
تستخلف من بعدهم ، وأن يبين لهم أن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في
القبور . فأمر دقينوس بالكهف أن يسد عليهم ، وقال : دعوا هؤلاء الفتية المردة الذين تركوا
آلهتي فليموتوا كما هم في الكهف عطشا وجوعا ، وليكن كهفهم الذي اختاروا لأنفسهم قبرا
لهم ، ففعل بهم ذلك عدو الله ، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم ، وقد توفى الله
أرواحهم وفاة النوم ، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف ، قد غشاه الله ما غشاهم ، يقلبون
ذات اليمين وذات الشمال .
ثم إن رجلين مؤمنين كانا في بيت الملك دقينوس يكتمان إيمانهما : اسم أحدهما
بيدروس ، واسم الآخر : روناس ، فأتمرا أن يكتبا شأن الفتية أصحاب الكهف ، أنسابهم
وأسماءهم وأسماء آبائهم ، وقصة خبرهم في لو حين من رصاص ، ثم يصنعا له تابوتا من
نحاس ، ثم يجعلا اللوحين فيه ، ثم يكتبا عليه في فم الكهف بين ظهراني البنيان ، ويختما
على التابوت بخاتمهما ، وقالا : لعل الله أن يظهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين قبل يوم
القيامة ، فيعلم من فتح عليهم حين يقرأ هذا الكتاب خبرهم ، ففعلا ثم بنيا عليه في البنيان ،
فبقي دقينوس وقرنه ( 1 ) الذين كانوا مهم ما شاء الله أن يبقوا ، ثم هلك دقينوس والقرن الذي
كانوا معه ، وقرون بعده كثيرة ، وخلفت الخلوف بعد الخلوف .
17271 - حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن
عبد الله بن كثير ، عن مجاهد ، قال : كان أصحاب الكهف أبناء عظماء مدينتهم ، وأهل
شرفهم ، فخرجوا فاجتمعوا وراء المدينة على غير ميعاد ، فقال رجل منهم هو أسنهم : إني
لأجد في نفسي شيئا ما أظن أن أحدا يجده ، قالوا : ماذا تجد ؟ قال : أجد في نفسي أن ربي
رب السماوات والأرض ، وقالوا : نحن نجد . فقاموا جميعا ، فقالوا : ( ربنا رب السماوات
والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا ) ( 2 ) ، فاجتمعوا أن يدخلوا الكهف ،
وعلى مدينتهم إذ ذاك جبار يقال له دقينوس ، فلبثوا في الكهف ثلاث مئة سنين وازدادوا
تسعا رقدا .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 255
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٥٥