من هذا القول الذي روينا عن ابن عباس وإن كان هذا القول موافقا معناه معنى ذلك ، في
أن للرحمن من المعنى ما ليس للرحيم ، وأن للرحيم تأويلا غير تأويل الرحمن .
والقول الثالث في تأويل ذلك ، ما :
124 - حدثني به عمران بن بكار الكلاعي ، قال : حدثنا يحيى بن صالح ، قال :
حدثنا أبو الأزهر نصر بن عمرو اللخمي من أهل فلسطين ، قال : سمعت عطاء الخراساني ،
يقول : كان الرحمن ، فلما اختزل الرحمن من اسمه كان الرحمن الرحيم .
والذي أراد إن شاء الله عطاء بقوله هذا : أن الرحمن كان من أسماء الله التي لا يتسمى
بها أحد من خلقه ، فلما تسمى به الكذاب مسيلمة وهو اختزاله إياه ، يعني اقتطاعه من
أسمائه لنفسه أخبر الله جل ثناؤه أن اسمه الرحمن الرحيم ، ليفصل بذلك لعباده اسمه من
اسم من قد تسمى بأسمائه ، إذ كان لا يسمى أحد الرحمن الرحيم فيجمع له هذان الاسمان
غيره جل ذكره وإنما تسمى بعض خلقه إما رحيما ، أو يتسمى رحمن ، فأما رحمن
رحيم ، فلم يجتمعا قط لاحد سواه ، ولا يجمعان لاحد غيره . فكأن معنى قول عطاء هذا :
أن الله جل ثناؤه إنما فصل بتكرير الرحيم على الرحمن بين اسمه واسم غيره من خلقه ،
اختلف معناهما أو اتفقا .
والذي قال عطاء من ذلك غير فاسد المعنى ، بل جائز أن يكون جل ثناؤه خص نفسه
بالتسمية بهما معا مجتمعين إبانة لها من خلقه ، ليعرف عباده بذكرهما مجموعين أنه
المقصود بذكرهما دون من سواه من خلقه ، مع ما في تأويل كل واحد منهما من المعنى
الذي ليس في الآخر منهما .
وقد زعم بعض أهل الغباء أن العرب كانت لا تعرف الرحمن ولم يكن ذلك في
لغتها ولذلك قال المشركون للنبي ( ص ) : وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا إنكارا منهم
لهذا الاسم . كأنه كان محالا عنده أن ينكر أهل الشرك ما كانوا عالمين بصحته ، أو كأنه لم
يتل من كتاب الله قول الله : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه يعني محمدا كما يعرفون
أبناءهم وهم مع ذلك به مكذبون ، ولنبوته جاحدون . فيعلم بذلك أنهم قد كانوا
يدافعون حقيقة ما قد ثبت عندهم صحته واستحكمت لديهم معرفته . وقد أنشد لبعض
الجاهلية الجهلاء :
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 87
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٨٧