ومتأولو الآية هذا التأويل سبيل التأويل ، وذلك أن الملائكة إذ قال لها ربها : إني جاعل
في الأرض خليفة لم تضف الافساد وسفك الدماء في جوابها ربها إلى خليفته في أرضه ،
بل قالت : أتجعل فيها من يفسد فيها ، وغير منكر أن يكون ربها أعلمها أنه يكون لخليفته
ذلك ذرية يكون منهم الافساد وسفك الدماء ، فقالت : يا ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها
ويسفك الدماء ؟ كما قال ابن مسعود وابن عباس ، ومن حكينا ذلك عنه من أهل التأويل .
القول في تأويل قوله تعالى : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء .
قال أبو جعفر : إن قال قائل : وكيف قالت الملائكة لربها إذ أخبرها أنه جاعل في
الأرض خليفة : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ولم يكن آدم بعد مخلوقا ولا
ذريته ، فيعلموا ما يفعلون عيانا ؟ أعلمت الغيب فقالت ذلك ، أم قالت ما قالت من ذلك
ظنا ، فذلك شهادة منها بالظن وقول بما لا تعلم ، وذلك ليس من صفتها ، فما وجه قيلها
ذلك لربها ؟ قيل : قد قالت العلماء من أهل التأويل في ذلك أقوالا ونحن ذاكرون أقوالهم في
ذلك ، ثم مخبرون بأصحها برهانا وأوضحها حجة .
فروي عن ابن عباس في ذلك ما :
حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن
عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : كان إبليس من حي من أحياء
الملائكة ، يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة ، قال : وكان اسمه
الحرث . قال : وكان خازنا من خزان الجنة . قال : وخلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا
الحي . قال : وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار ، وهو لسان النار الذي
يكون في طرفها إذ ألهبت . قال : وخلق الانسان من طين ، فأول من سكن الأرض الجن ،
فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، وقتل بعضهم بعضا . قال : فبعث الله إليهم إبليس في جند من
الملائكة ، وهم هذا الحي الذين يقال لهم الجن ، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم
بجزائر البحور وأطراف الجبال . فلما فعل إبليس ذلك اغتر في نفسه ، وقال : قد صنعت
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 290
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٩٠